الرئيسية الرئيسية » المقالات» مقالات » بيان مناقب معاوية -رضي الله عنه- والذب عن صحيح مسلم وعن العلماء الذين أجمعوا على صحته وتلقوه بالقبول والاحترام

بيان مناقب معاوية -رضي الله عنه- والذب عن صحيح مسلم وعن العلماء الذين أجمعوا على صحته وتلقوه بالقبول والاحترام


عدد الزيارات عدد الزيارات : 21148     عدد مرات التحميل عدد مرات التحميل : 3026

 

 

بيان مناقب معاوية -رضي الله عنه- والذب عن صحيح مسلم

وعن العلماء الذين أجمعوا على صحته وتلقوه بالقبول والاحترام

 



بسم الله الرحمن الرحيم 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.

أما بعد:

فقد اطلعتُ على مقال للدكتورة سهيلة زين العابدين نشرته "جريدة المدينة" يوم الثلاثاء، الموافق (10/4/1432هـ)، تحت عنوان: " معاوية رضي الله عنه المفترى عليه “1-2”

هل يُعقل أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام يلعن أحد كتاب وحيه وصحابته، وهو ناهٍ عن سبهم؟"

وهذا العنوان غلط، فالإمام مسلم –رحمه الله- لم ينقل حديثاً فيه لعن من رسول الله –صلى الله عليه وسلم-لمعاوية -رضي الله عنه-.

وقبل مناقشة هذه الكاتبة ينبغي أن ننقل هنا بعض فضائل معاوية –رضي الله عنه-.

أ- إن لهذا الصحابي الجليل منـزلة ومكانة عند أهل السنة والحق، وله قبل ذلك منـزلة عند رسول الله –صلى الله عليه وسلم- منها أنه صاحبه وصهره، ومنها أنه من كتاب وحيه المأمونين.

ب- لقد دعا له النبي -صلى الله عليه وسلم- دعوة عظيمة، فعن عبد الرحمن بن أبي عميرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لمعاوية: "اللهم اجعله هاديا مهديا وأهد به" ، أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (4/216)، والترمذي في "سننه" حديث (3842)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (246)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (1/180)، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" رقم (1969)، ساقه من طرق إلى سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وعن العرباض بن سارية –رضي الله عنه- قال سمعت رسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: "اللهمَّ عَلِّمْ مُعَاوِيَةَ الْكِتَابَ وَالْحِسَابَ وَقِهِ الْعَذَابَ" ، أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" حديث (4/127)، وفي "فضائل الصحابة" حديث (1748)، والبزار حديث (2723)، والطبراني في "المعجم الكبير" (18/251)، وأورده الألباني في "السلسلة الصحيحة" حديث رقم (3227) وذكر أن جماعة من الصحابة رووا هذا الحديث وهم عبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن أبي عميرة المزني،ومسلمة بن مُخلَّد، ثم ذكر مع روايات هؤلاء مرسل شُريح بن عُبيد، ومرسل حَرِيز بن عثمان.

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ قَالَتْ: نَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّي ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ فَقُلْتُ: مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ هَذَا الْبَحْرَ الْأَخْضَرَ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، قَالَتْ: فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ نَامَ الثَّانِيَةَ فَفَعَلَ مِثْلَهَا، فَقَالَتْ مِثْلَ قَوْلِهَا، فَأَجَابَهَا مِثْلَهَا فَقَالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ، فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِيًا أَوَّلَ مَا رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ فَنَزَلُوا الشَّأْمَ فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ"، أخرجه البخاري في "صحيحه" حديث (2799)، ومسلم حديث (1912).

وعن أُمّ حَرَامٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا فِيهِمْ، قَالَ: أَنْتِ فِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ فَقُلْتُ أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا". أخرجه البخاري في "صحيحه" حديث (2924) والحسن بن سفيان في " مسنده " وعنه أبو نعيم في " الحلية " ( 2 / 62 ) و الطبراني في " مسند الشاميين" رقم (444).

قال الحافظ ابن حجر: "قال المهلب: في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر" ، "الفتح" (6/102).

 

ولمعاوية جهاد عظيم لإعلاء كلمة الله وفتوحات ومزايا أخرى، منها السماحة والكرم والحلم والأناة والعدل، ولو لم يكن له إلا فضل الصحبة لكفاه.

قال أحمد -رحمه الله- في "أصول السنة" (ص62) بعد أن ذكر فضل الخلفاء الراشدين:

" ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله -صلى الله عليه و سلم- القرن الذي بعث فيهم، كل من صحبه سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، وكانت سابقته معه وسمع منه ونظر إليه نظرة، فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه، ولو لقوا الله بجميع الأعمال، كان هؤلاء الذين صحبوا النبي -صلى الله عليه وسلم- ورأوه وسمعوا منه ومن رآه بعينه وآمن به ولو ساعة أفضل لصحبته من التابعين ولو عملوا كل أعمال الخير".

وسُئل عبد الله بن المبارك عن معاوية -رضي الله عنه- فقال: "ما أقول في رجل قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: سمع الله لمن حمده، فقال خلفه: ربنا ولك الحمد، فقيل له: أيهما أفضل ؟ هو أو عمر بن عبد العزيز ؟ فقال: لتراب في منخري معاوية مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز" ، "تأريخ دمشق" (59/207)، و"البداية والنهاية" (8/148).

 

فكان على الكاتبة أن تذكر فضائل الصحابي الجليل معاوية -رضي الله عنه-، وترد رداً علمياً على ما طعن به أخو الروافض فيه -رضي الله عنه-، لكنها مع الأسف لم تفعل ذلك،بل لم تنقل حديثا واحداً في فضائله ولا أثراً واحدا عن السلف في فضائله[1] .

وبدلاً من ذلك وبدلاً من الرد العلمي والطعن في من ذم معاوية-رضي الله عنه- وافترى عليه، ذهبت تحط من شأن صحيح مسلم، فقالت:

" ومن المؤلم حقًا أن يُهاجم من قبل الشيخ أحمد الكبيسي؛ إذ وصفه بأنّه مصدر بلاء الأمة، واتهمه بسب سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مستدلًا بحديث رواه مسلم، فبدلًا من أن يحقق في الحديث، نجده يردده، فلا يُصدق أنّ سيدنا معاوية أمر بسبّ سيدنا علي، والرسول عليه الصلاة والسلام قال « لا تسبوا صحابتي»، فليس لكون حديث رواه مسلم نُصدق قولًا لا ينطبق على مكانة وشخصية معاوية رضي الله عنه، وليس كل ما ورد في صحيح مسلم صحيحا يؤخذ به، وكأنّه قرآن منـزل، فالإمام مسلم -رحمه الله- بشر، واجتهد في جمع الأحاديث، وتحرى صحتها طبقًا للإمكانات التي كانت متاحة له في عصره، وعلينا نحن أن نتحرى صحة تلك الأحاديث سندًا ومتنًا طبقًا للإمكانات المتاحة لنا، فلا نسلم بالأحاديث الواردة في صحيحه المناقضة لقيم الإسلام ومبادئه وأخلاقياته وأخلاقيات رسوله الكريم وصحابته رضوان الله عليهم".

1- انظر إلى قولها: " وليس كل ما ورد في صحيح مسلم صحيحا يؤخذ به، وكأنّه قرآن منـزل".

أقول: إن صحيح مسلم -رحمه الله- تلقّته الأمة بالقبول والاحترام؛ لأنه يضم بين دفتيه أحاديث في قمة الصحة، فهو في مستوى صحيح البخاري عند بعض أهل العلم وبعضهم يرى أنه يلي البخاري في الصحة، لا سيما وهو يتفق مع البخاري في أحاديث كثيرة.

ولسنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- الصحيحة التي يرويها الشيخان وغيرهما منـزلة عظيمة عند الله وعند المؤمنين؛ إذ سنة رسول الله مفسرة للقرآن مبينة لمجملاته ومقيدة لمطلقاته ومخصصة لعموماته، ولا يعرف الناس كيف يصلون أو يزكون أو يتصدقون أو...أو.. إلا ببيان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- الذي قال الله في شأنه: (وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [سورة النحل: 44].

وعن المقدام بن معديكرب الكندي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-قال: "أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، ألَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ...". أخرجه أحمد في "مسنده" رقم (17174) ، والترمذي في "سننه" حديث (2664)، وابن ماجه في "المقدمة" حديث (12)، والدارمي في "مقدمته" (592).

 

والله تعالى يقول عن رسوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى).

فالسنة وحي من الله على رسوله –صلى الله عليه وسلم-، وصحيح مسلم قائم عليها، بل ممتلئ بها، وعظم شأنه بسببها .

 

ولقد أثنى على صحيح مسلم فحول علماء الأمة، من هذا الثناء ما يأتي:

" وقد نقل إمام الحرمين إجماع علماء المسلمين على صحة ما في الصحيحين. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائني- رحمه الله - : " أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بها عن صاحب الشرع، وإن حصل خلاف في بعضها فذلك خلاف في طرقها ورواتها " ، "النكت" لابن حجر (1/377).

وقال الحميدي في كتاب " الجمع بين الصحيحين " : " لم نجد في الأئمة الماضين - رضي الله عنهم - أجمعين من أفصح لنا في جميع ما جمعه بالصحة إلا هذين الإمامين " (يعني البخاري ومسلماً) ، "مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح" (ص40).

وقال الإمام مجد الدين المبارك بن محمد المشهور بابن الأثير -رحمه الله- في مقدمة كتابه جامع الأصول(1/41):

" وقيل : إن أول من صنف وبوب الربيع بن صبيح بالبصرة ثم انتشر جمع الحديث وتدوينه وسطره في الأجزاء والكتب وكثر ذلك وعظم نفعه إلى زمن الإمامين أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسين مسلم ابن الحجاج النيسابوري - رحمهما الله - فدونا كتابيهما وفعلا ما الله مجازيهما عليه من نصح المسلمين، والاهتمام بأمور الدين، وأثبتا في كتابيهما من الأحاديث ما قطعا بصحته وثبت عندهما نقله " .

وسمى أبو بكر محمد بن عبدالله الشيباني المعروف بالجوزقي المتوفى سنــة ( 388هـ ) كتابه الجمع بين الصحيحين " الصحيح من الأخبار عن رسول الله المجمع على صحته للإمامين البخاري ومسلم "" .

فهذه منـزلة الصحيحين البخاري ومسلم عند علماء المسلمين الذين يُعظِّمون سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويؤمنون بمكانتها.

2- وانظر إلى قولها:

" فلا نسلم بالأحاديث الواردة في صحيحه المناقضة لقيم الإسلام ومبادئه وأخلاقياته وأخلاقيات رسوله الكريم وصحابته رضوان الله عليهم".

 

أقول: إنَّ في هذا الكلام لجرأة لا تطاق؛ لأن فيه طعناً شديداً في هذا الكتاب العظيم وتشويهاً له.

فليس في صحيح مسلم أحاديث مناقضة لقيم الإسلام وأخلاقياته وأخلاقيات رسوله الكريم-صلى الله عليه وسلم- وأخلاقيات الصحابة -رضي الله عنهم-، حاشاه ثم حاشاه ، ولو كان فيه هذه الفواقر لما تلقته الأمة بالقبول والاحترام، ولما قدّموه على كثير من المؤلفات في السنة النبوية، بل لو كان فيه ما زعمت لحذروا منه وطعنوا فيه.

وأقول: لك أن تناقشي الحديث مناقشة علمية مؤدبة، أما بهذا الأسلوب فلا وألف لا.

كان ينبغي أن توجهي هذه الحملة إلى أحمد الكبيسي الذي ينحى منحى الروافض، فيطعن في هذا الصحابي الجليل.

وكان ينبغي أن توجهي حملة أشد على الروافض الذين يطعنون في أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، بل ويكفرونهم، وعلى رأس الصحابة الكرام أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية وعمرو بن العاص –رضي الله عنهم-، ولعن الله وأخزى من يسبهم ويطعن فيهم.

 

3- قالت الكاتبة: "فالإمام مسلم -رحمه الله- بشر، واجتهد في جمع الأحاديث، وتحرى صحتها طبقًا للإمكانات التي كانت متاحة له في عصره، وعلينا نحن أن نتحرى صحة تلك الأحاديث سندًا ومتنًا طبقًا للإمكانات المتاحة لنا، فلا نسلم بالأحاديث الواردة في صحيحه المناقضة لقيم الإسلام ومبادئه وأخلاقياته وأخلاقيات رسوله الكريم وصحابته رضوان الله عليهم".

 

تقول هذا كأنها من كبار أئمة الحديث، وكأن مسلماً لا يعرف قيم الإسلام ومبادئه وأخلاقياته...الخ.

وكأن إمكانيات الكاتبة تفوق إمكانيات الإمام مسلم وأمثاله من أئمة الحديث.

وكأن فحول العلماء، بل والأمة التي تلقّت صحيح مسلم بالقبول لا يعرفون قيم الإسلام وأخلاقياته...الخ، ومن هنا أتوا فحكموا لصحيح مسلم بأنه في قمة الصحة وتلقوه بالقبول.

 

4- قالت الكاتبة: " فحديث مسلم الذي أُستُشهِد به، الجزء الأول منه « أمر ‏ ‏معاوية بن أبي سفيان ‏ ‏سعداً ‏ ‏فقال : ما منعك أن تسب ‏أبا التراب؟ هذا الجزء موضوع ، فراوي الحديث سعد بن أبي الوقاص رضي الله عنه، والمفروض أن يقول أمرني معاوية، ولا يقول أمر معاوية سعدًا «ثمّ أن هذا الجزء لم يروه مسلم إلّا في هذا الحديث، وكرر باقي الحديث في روايات أخرى، كما أنّ البخاري لم يورد هذا الجزء في صحيحه في باب مناقب علي، بينما روى الأجزاء الباقية من الحديث المتعلقة بالرواية، «وأنت مني بمنـزلة هارون من موسى»".

 

أقول:

انظر كيف حكمَتْ على الجزء الذي يتعلق بمعاوية بأنه موضوع.

والحديث الموضوع هو ما يرويه الكذاب الخسيس، وهذا من البدهيات، حتى عند صغار طلبة العلم، وبرأ الله مسلماً أن يروي في صحيحه عن الكذابين، وبرأ الله من الكذب حاتم بن إسماعيل المدني وبكير بن مسمار اللذين رويا هذا الحديث ومنه الجزء المتعلق بمعاوية -رضي الله عنه-.

 

ولقد هضمَتْ الكاتبة الإمام مسلماً وحاتم بن إسماعيل الذي يروي عنه الإمامان البخاري ومسلم والإمام أحمد وبقية رجال الكتب الستة، فقد رمز لحاتم كل من الذهبي في "الكاشف" والحافظ ابن حجر في "التقريب"، والمزي في "التهذيب" برمز (ع)، أي أنه روى عنه الجماعة، فكفاه هذا توثيقاً وتشريفاً.

 

5- قالت الكاتبة: " ومن حيث الرواة: فيه حاتم بن إسماعيل المدني: جاء عنه في التقريب « صحيح الكتاب، صدوق يهم»، وجاء في تهذيب التهذيب للعسقلاني: قال أحمد: «وزعموا أنّ حاتمًا كان فيه غفلة»، وقال ابن المديني: روي عن جعفر، عن أبيه أحاديث مراسيل أسندها، وقال النسائي: «ليس بالقوي».

 

أقول: قال الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (2/128) في ترجمة حاتم بن إسماعيل: قال أحمد هو أحب إلى من الدراوردي وزعموا أن حاتما كان فيه غفلة إلا أن كتابه صالح وقال أبو حاتم هو أحب إلي من سعيد ابن سالم وقال النسائي ليس به بأس وقال ابن سعد : ... وكان ثقة مأمونا كثير الحديث.

وقال العجلي ثقة وكذا قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، وقال ابن المديني: روى عن جعفر عن أبيه أحاديث مراسيل أسندها".

فأين أقوال من وثق حاتماً، ومنهم الناقد البصير يحيى بن معين، لا سيما وهو من الرواة عنه؟

ثم أين قول الإمام أحمد: "إلا أنَّ كتابه صالح"؟

وأين قول النسائي: ليس به بأس، ومن هنا قال فيه الذهبي في "الكاشف": "ثقة" ، وحكمه أقرب إلى الصواب من حكم الحافظ عليه.

 

6- قالت الكاتبة: " وفيه (أي الإسناد) بكير بن مسمار: جاء في "تهذيب التهذيب" للعسقلاني: « قال البخاري : فيه نظر".

 

أقول: ذكر الحافظ مبيِّناً مقصود البخاري:

"لكنه ما قال: "فيه نظر" ، إلا عندما ذكر روايته عن الزهري".

فقول البخاري مقيد بما يرويه بكير عن الزهري.

وروايته هذا الحديث في صحيح مسلم إنما هي عن عامر بن سعد لا عن الزهري، فأين الإنصاف والدقة في النقل؟؟

 

7- قالت الكاتبة: " وقال ابن حبّان في الثقات"وليس هذا".

أقول: لم تكمل نقل الحافظ عن ابن حبان حيث قال الحافظ:

"وقال ابن حبان في الثقات وليس هذا ببكير بن مسمار الذي يروي عن الزهري ذاك ضعيف".

فابن حبان يوثق بكيراً الذي روى له مسلم هذا الحديث، ويضعف من قال البخاري: "فيه نظر"، فلماذا حذفت الكاتبة بقية كلام ابن حبان؟!!

 

8- قالت الكاتبة: " وقال الذهبي في "الكاشف": «فيه شيء» وقال العجلي (متساهل) وقال النسائي: «ليس به بأس» (وهذا دون التوثيق) وضعّفه العقيلي، وابن حزم في المحلى، و الذهبي في المغني.

فراويان ضعيفان كيف يُسّلم بروايتهما؟".

 

أقول: أما العقيلي فلم يجرحه بشيء من ألفاظ الجرح، وإنما قال فيه:

"قال البخاري في حديثه بعض النظر" ، انظر "الضعفاء" (1/152).

وكلام البخاري حمله ابن حبان على بكير بن مسمار الدامغاني.

ومن كلامه عليه:

" وقد قيل: إنه بكير الدامغاني الذي يروي عن مقاتل (بن حيان) كان مرجئاً، يروى من الأخبار مالا يتابع عليها، وهو قليل الحديث على مناكير فيه، ليس هو أخو مهاجر بن مسمار، ذاك مدني ثقة" ، "كتاب المجروحين" (1/222).

أقول: وهذا المدني هو الذي روى عنه مسلم هذا الحديث المعترض عليه.

وقال ابن حبان في "الثقات" نحو هذا الكلام، انظر "الثقات" (6/105) رقم (6917).

وأما العجلي، فقال: "بكير بن مسمار مدني ثقة" ، انظر "الثقات" (1/254) رقم (179)، وليس كما قالت الكاتبة عن العجلي أنه قال: "متساهل".

يؤكد هذا قول الحافظ في "تهذيب التهذيب" المصدر الذي نقلت الكاتبة منه الكلام في بكير المدني حيث قال الحافظ فيه: " وقال العجلي: ثقة" .

ونقل المزي في "تهذيب الكمال" (4/252) توثيق العجلي.

 

وكما أنها غالطَتْ في نقلها عن العجلي، فقد أسقطَتْ حكم ابن عدي، فقد نقل عنه الحافظ في ترجمة بكير هذا أنه قال: "وقال ابن عدي مستقيم الحديث" ، كما أسقطَتْ حكم غيره.

وأما ابن حزم فلم أقف على تضعيفه.

 

ثم خلصت الكاتبة إلى قولها: " فراويان ضعيفان كيف يُسّلم بروايتهما؟".

 

وهذا كلام لا يسلم لها، فحاتم بن إسماعيل ثقة، روى له الجماعة والإمام أحمد.

وبكير بن مسمار صدوق كما قال الحافظ، وقول الذهبي: "فيه شيء" لا يحطه عن مرتبة صدوق، لا سيما وقد وثّقه بعض الأئمة، ولا سيما والجرح فيه غير مفسر، فحديثه لا ينـزل عن درجة الحسن، فلماذا لم تنقل الكاتبة هذا الحكم من الحافظ؟

 

هذا ما يتعلق بالإسناد، أما المتن فغرض الإمام مسلم منه بيان فضائل علي -رضي الله عنه- لا غير، ولذا قال النووي: "باب من فضائل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-".

ثم ساق بإسناده إلى سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعلي: "أنت مني بمنـزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي"، "صحيح مسلم" حديث رقم(2404).

ثم روى هذا الحديث عن سعد -رضي الله عنه- من طريق مصعب بن سعد عن أبيه به.

ثم ساقه مرة أخرى مع فضائل أخرى بإسناده إلى حاتم بن إسماعيل عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب؟ فقال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثا قالهن له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلن أسبه، لأنْ تكون لي واحدة منهن أحب إليَّ من حمر النعم، سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول له، خلَّفه في بعض مغازيه، فقال له عليٌّ: يا رسول الله خلَّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أما ترضى أن تكون مني بمنـزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي". وسمعته يقول يوم خيبر: "لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله"، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليّاً" فأُتي به أرْمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه. ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية ! (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) ! دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: "اللهم هؤلاء أهلي".

ثم لعلي -رضي الله عنه- فضائل أخرى عن عدد من الصحابة –رضي الله عنهم-.

وعند التأمل يدرك المنصف أن معاوية لم يأمر سعداً بسب علي -رضي الله عنه-، وهو يدرك أن سعداً -رضي الله عنه- لن يسب علياً.

وعبارة معاوية كما هنا في "صحيح مسلم"، وفي جامع الترمذي: "ما يمنعك أن تسب أبا تراب".

والظاهر أنه قد بلغ معاوية أن سعداً يروي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعض فضائل علي -رضي الله عنه-، فأراد بهذا السؤال أن يسمع هذه الفضائل من سعد -رضي الله عنه-.

فروى له هذه الفضائل العظيمة، فأقره معاوية، والظاهر أن هذا كان على مسمع من ملإٍ من الناس، فسؤال معاوية -رضي الله عنه- أدى إلى هذه النتيجة الطيبة لعليّ -رضي الله عنه-، ولو ساءته لعارض سعداً، ولم ينقل أحد استياءه ولا معارضته -رضي الله عنهما- وعن أصحاب محمد أجمعين.

وما أعتقد في الإمام مسلم إلا أنه يفهم هذا الفهم، وحاشاه أن يقصد برواية هذا الحديث التأليب على معاوية -رضي الله عنه-، بل قصده بيان فضائل علي -رضي الله عنه-.

والشاهد الجلي أن معاوية –رضي الله عنه- لم يأمر سعداً أن يسب علياً، وإنما سأله سؤالاً للغرض الذي ألمحنا إليه، ولفظة "أمر" إنما هي من تعبير بعض الرواة.

فسقط ما يتعلق به الروافض قطع الله دابرهم.

وتبيَّن خطأ الكاتبة فيما هولت به على صحيح مسلم.

وتبيَّنتْ مغالطاتها في نقلها الكلام عن العلماء في الرجلين اللذين ضعّفَتْهما، ومن خاض في غير فنه أتى بالعجائب.

ثم إنها لم تفهم الفرق بين تصرفات الإمامين البخاري ومسلم.

فالبخاري –رحمه الله- من طريقته في عرض الأحاديث أن يختصر الأحاديث الطويلة، ويسوق منها ما يتناسب مع الأبواب؛ لأنه بنى كتابه على التفقه من الأحاديث، ولذا يقال فقه البخاري -رحمه الله- في تراجمه.

فأما مسلم -رحمه الله- فإنه يسوق الأحاديث كما هي، فلا يختصرها، ويسوق كل حديث بكل طرقه في باب واحد، ومن هنا ساق حديث سعد هذا بكامله، فجاء ذكر موقف معاوية عَرَضَاً، لا قصداً، هذا إلى جانب أنه لم يفهم أن معاوية أمر سعداً بسب علي -رضي الله عنه- كما أسلفنا.

 

9- ثم قالت الكاتبة: " كما ورد في صحيح مسلم حديث في كتاب « البر والصلة والآداب ، باب من لعنه النبي صلى الله عليه وسلم ، بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال عن معاوية رضي الله عنه " لا أشبع الله بطنه".

وفيه محمد بن المثنى العنزي ، قال صالح جِزَرة : « صدوق اللهجة ، في عقله شيء، وقال النسائي:» لا بأس به، كان يغير في كتابه[الذهبي: ميزان الاعتدال رقم ( 8115)، وفيه أمية بن خالد، وهو من الضعفاء[ابن حجر: تهذيب التهذيب: من اسمه أمية].

وفيه أبو حمزة القصاب، وهو عمران بن أبي العطاء الأسدي، قال أبو حاتم والنسائي» ليس بالقوي، وضعّفه أبو داود".

 

أقول: أورد الإمام مسلم في كتاب "البر والصلة والآداب" عدداً من الأحاديث في فضائل علي -رضي الله عنه- فترجم النووي لهذه الأحاديث بقوله: "باب من لعنه النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو سبه، أو دعا عليه، وليس هو أهلاً لذلك، كان له زكاة وأجراً ورحمة".

من هذه الفضائل قول مسلم -رحمه الله-:

حدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: دخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلان فكلماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبهما، فلما خرجا قلت يا رسول الله من أصاب من الخير شيئاً ما أصابه هذان قال: وما ذاك؟ قالت: قلتُ: لعنتهما وسببتهما، قال: أو ما علمت ما شارطت عليه ربي قلت: اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا" حديث (2600).

ثم ساقه من طريق أخرى إلى عائشة -رضي الله عنها- به.

ثم روى بإسناده إلى أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم إنما أنا بشر فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة".

ثم ساق بإسناده إلى جابر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- إلا أنه قال فيه: "زكاة وأجراً".

ثم ساق حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرة أخرى بإسناده إلى أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "اللهم إني أتخذ عندك عهداً لن تخلفنيه، فإنما أنا بشر، فأي المؤمنين آذيته شتمته، لعنته، جلدته، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة، تقربه بها إليك يوم القيامة".

ثم ساق نحوه من طرق إلى أبي هريرة -رضي الله عنه-.

ثم روى بإسناده إلى جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "إنما أنا بشر وإني اشترطت على ربي -عز وجل- أي عبد من المسلمين سببته أو شتمته، أن يكون ذلك له زكاة وأجرا".

ثم ساق حديثاً عن أنس -رضي الله عنه- في هذا الباب.

ثم بعد كل هذه الأحاديث، قال:

حدثنا محمد بن المثنى العنـزي. ح وحدثنا ابن بشار (واللفظ لابن المثنى)، قالا: حدثنا أمية بن خالد، حدثنا شعبة عن أبي حمزة القصاب عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتواريت خلف باب، قال: فجاء فحطأني حطأة، وقال: اذهب وادع لي معاوية، قال: فجئت، فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال: لي اذهب فادع لي معاوية، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، فقال: لا أشبع الله بطنه"حديث (2604).

 

ثم قال: حدثني إسحاق بن منصور أخبرنا النضر بن شميل حدثنا شعبة أخبرنا أبو حمزة سمعت ابن عباس به.

 

فيرى الفطن أن الإمام مسلماً قد ربط ربطاً محكماً بين هذه الأحاديث التي سقناها، وبين الحديث الذي فيه الدعاء على معاوية –رضي الله عنه-، والذي مؤداه الدعاء له، كما أن له -صلى الله عليه وسلم- دعوات أخرى صريحة لمعاوية يعلمها مسلم وغيره من أهل الحديث، فهل هذه الكاتبة تدرك هذا الأمر؟

 

ولنأت الآن إلى كلام الكاتبة في رجال مسلم في إسناد حديث ابن عباس.

قالت: " وفيه محمد بن المثنى العنـزي ، قال صالح جِزَرة : « صدوق اللهجة ، في عقله شيء".

ولم تذكر المصدر الذي نقلَتْ منه هذا الكلام.

والظاهر أن مصدرها "تهذيب التهذيب" للحافظ ابن حجر -رحمه الله-.

فماذا قال فيه الحافظ؟ وماذا نقل عن العلماء في محمد بن المثنى؟

قال الحافظ في صدر ترجمته: "محمد بن المثنى بن عبيد بن قيس بن دينار العنـزي أبو موسى البصري الحافظ".

ثم سرد أسماء شيوخه، ومن روى عنه.

ثم قال:" قال عبدالله بن أحمد عن ابن معين ثقة وقال أبو سعد الهروي سألت الذهلي عنه فقال حجة وقال صالح بن محمد صدوق اللهجة وكان في عقله شيء وكنت أقدمه على بندار([2]) وقال أبو حاتم صالح الحديث صدوق وقال أبو عروبة ما رأيت بالبصرة أثبت من أبي موسى ويحيى بن حكيم وقال النسائي لا بأس به ...وقال ابن عقدة سمعت ابن خراش يقول حدثنا محمد بن المثنى وكان من الأثبات.

وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان صاحب كتاب لا يقرأ إلا من كتابه وقال الخطيب كان ثقة ثبتا احتج سائر الأئمة بحديثه" . انظر "تهذيب التهذيب" (9/425-427).

 

أقول: وتابع محمد بن المثنى في رواية هذا الحديث في "صحيح مسلم" محمد بن بشار وإسحاق بن منصور، وهما من هما.

وقال الحافظ في "التقريب" فيه: ثقة ثبت.

وقال الحافظ الذهبي في "الكاشف": "محمد بن المثنى أبو موسى العنـزي الحافظ ...ثقة ورع".

 

فلا أدري ما الحامل لهذه الكاتبة على معاملة رجال مسلم بل والبخاري هذه المعاملة المريبة.

 

ثم قالت الكاتبة: " وفيه أمية بن خالد، وهو من الضعفاء[ابن حجر: تهذيب التهذيب: من اسمه أمية]".

 

أقول: وكأن صاحب "تهذيب التهذيب" هو الذي قال فيه من الضعفاء.

فرجعنا إلى "تهذيب التهذيب" (1/371) وإذا بالحافظ ابن حجر يقول فيه:

".....قال أبو زرعة وأبو حاتم والترمذي ثقة...وقال العجلي: ثقة، وقال الدارقطني: ما علمت إلا خيرا، وروى العقيلي في الضعفاء عن الأثرم قال: سمعت أبا عبدالله يسأل عن أمية بن خالد، فلم أره يحمده في الحديث، قال: إنما كان يحدث من حفظه لا يخرج كتاباً، وما أبدى العقيلي فيه غير حديث واحد وصله وأرسله غيره، وذكره أبو العرب في الضعفاء فلم يصنع شيئا".

 

وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق" ، وقال الذهبي في"الكاشف": ثقة.

أقول: وتابعه في شعبة النضر بن شميل كما في صحيح مسلم في السياق نفسه، والنضر بن شميل ثقة ثبت، كما قال فيه الحافظ ابن حجر، وقال الحافظ الذهبي في "الكاشف: "شيخ مرو ومحدثها"، ثم قال: "ثقة، إمام، صاحب سنة".

 

ثم قالت الكاتبة: " وفيه (أي الإسناد) أبو حمزة القصاب، وهو عمران بن أبي العطاء الأسدي، قال أبو حاتم والنسائي» ليس بالقوي، وضعّفه أبو داود".

 

فرجعنا إلى "تهذيب التهذيب" (8/135-136)، فإذا بالحافظ ابن حجر يقول:

"قال أحمد: ليس به بأس صالح الحديث، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: بصري لين، وقال أبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي، وقال الآجري عن أبي داود يقال له عمران الحلاب ليس بذاك وهو ضعيف، وذكره ابن حبان في الثقات. له في مسلم حديث ابن عباس: "لا أشبع الله بطنه" . وقال ابن خلفون عن ابن نمير إنه وثقه".

 

وقال الحافظ في "التقريب": صدوق، له أوهام"، وسكت عنه الذهبي في "الكاشف".

وقال الذهبي في "التذهيب" (7/230)، قال أحمد: صالح الحديث، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم والنسائي وغيرهما: ليس بقوي.

وبالتأمل في أقوال الأئمة في أبي حمزة القصاب: عمران بن أبي عطاء، نجد أن هناك من وثّقه كأحمد وابن معين وابن نمير وابن حبان وابن خلفون.

وهناك من جرحه كأبي حاتم وأبي زرعة والنسائي وأبي داود.

وإذا ألقينا نظرة على جرح هؤلاء الأئمة نجده غير مفسر في مقابل توثيق عدد من الأئمة له.

فلنا في ضوء هذا أن نقول: إن أبا حمزة وهذا شأنه لا يقل عن مرتبة صدوق، وأن حديثه هذا الذي رواه مسلم وغيره حسن يحتج به، لا سيما وهو من رواة مسلم الذي التزم الصحة فيما يرويه، وتلقّت الأمة كتابه بالقبول.

 

10- ثم ختمت الكاتبة مقالها بقولها:

" وهنا أسأل: كيف قبل علماء الأمة بصورة عامة، وعلماء الحديث بصورة خاصة بتصنيف مسلم لمعاوية رضي الله عنه بأنّه ضمن الذين لعنهم الرسول عليه الصلاة والسلام؟

 

أقول: هكذا تتطاول بجهلها على علماء الأمة بالباطل الناشئ عن سوء الفهم حتى للبدهيات، فهذا النووي يترجم للباب الذي ورد فيه الدعاء على معاوية -رضي الله عنه- بقوله: "باب من لعنه النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو سبه، أو دعا عليه، وليس هو أهلاً لذلك، كان له زكاة وأجراً ورحمة".

فلم تستفد الكاتبة من هذه الترجمة، ولم تنـزجر.

فمعاوية -رضي الله عنه- إنما يدخل فيمن دعا عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، مع أن هذا الدعاء في صالحه إذ يستفيد منه زكاة وأجراً ورحمة وطهورا.

ثم ساق مسلم عدداً من الأحاديث عن عدد من الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- من ضمنها حديث أنس-رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "....يا أم سليم أما تعلمين أن شرطي على ربي أنى اشترطت على ربي فقلتُ: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة".

ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يلعن معاوية كما تدّعي هذه الكاتبة، وإنما دعا عليه دعوة من ثمارها أن يجعلها الله له طهوراً وزكاة وقربة، يقربه الله بها منه يوم القيامة.

وهذا من ميزات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخصائصه.

فأين اللعن الذي نزل بمعاوية، والذي قبله علماء الأمة بصورة عامة وعلماء الحديث بصورة خاصة؟

فهذه حملة شعواء من هذه الجاهلة على صحيح مسلم وعلى علماء الأمة، ناشئة عن الجهل وسوء القصد وسوء الفهم.

 

11- ثم تساءلت الكاتبة مرة أخرى، فقالت:

" وهل يُعقل أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام يلعن أحد كتاب وحيه وصحابته، وهو ناه عن سبهم؟ هل نأخذ بهذا الحديث رغم تناقضه مع خلق النبي الكريم لمجرد أنّه ورد في صحيح مسلم الذي استند في روايته على رواة ضعاف؟".

 

أقول:

لم يقل أحد من أهل الحديث وعلماء السنة، بل ولا من الصحابة إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعن معاوية، ولم يقل هذا إلا الكاتبة.

فأين هو الحديث الذي ينص على أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعن معاوية -رضي الله عنه- والذي قبله علماء الأمة بصفة عامة وعلماء الحديث بصفة خاصة، أليس هذا الكلام طعناً وتجهيلاً لعلماء الأمة؟

وهل الدعوة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي ثمرتها أن تصير طهوراً وزكاة وقربة تقرب إلى الله تعد من المنكرات التي يطعن بها في العلماء ويتهمون في عقولهم؟

وهل السب الذي نهى عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأمة مثل سبه -صلى الله عليه وسلم- الذي يستفيد منه من سبهم زكاة وأجراً وقربة تقربه إلى الله يوم القيامة؟

ومع هذا نقول: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يلعن معاوية ولم يسبه كما زعمَتْ الكاتبة، فهذا من جيبها.

ثم أخيراً، هل يلام الإمام مسلم على إيراده أحاديث هذا شأنها، وهذه ثمارها؟؟

وهل يلام علماء الأمة عامة وعلماء الحديث خاصة على قبول هذه الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الهدى -صلى الله عليه وسلم-؟

نعوذ بالله من الجهل والغرور والتعالم.

 

12- ملاحظة: بعد انتهائي من الرد على الحلقة الأولى من مقال هذه الكاتبة سهيلة، اطلعتُ على الحلقة الثانية من هذا المقال وإذا بها تعيد الطعن في صحيح مسلم وغيره من كتب الحديث، مع الطعن في أهل الحديث.

 

قالت: " أواصل الحديث عمّا يتعرض له سيدنا معاوية رضي الله عنه من افتراءات من قبل البعض، وامتدت هذه الافتراءات إلى بعض كتب الحديث مثل صحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد، بل امتدت أيضًا إلى كتب التاريخ التي تدرس في أقسام التاريخ في معظم جامعاتنا في البلاد العربية، مثل: «كتاب تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي» للدكتور حسن إبراهيم حسن، هذا الكتاب كان مقررًا عليّ أثناء دراستي الجامعية في كلية الآداب قسم تاريخ بجامعة الملك سعود، ومعروف أنّ مؤلفه تأثر كثيرًا بأساتذته المستشرقين، ونقل عنهم في كتابه هذا، وممّا نقله عنهم، ما كتبه المستشرق نيكلسون من هجوم على الأمويين، ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، ومن قول هذا المستشرق «اعتبر المسلمون انتصار بني أمية وعلى رأسهم معاوية انتصارًا للأرستقراطية الوثنية التي ناصبت الرسول وأصحابه العداء.. إلى أن يقول «إنّ جمهور المسلمين يرون بين الأمويين رجالًا لم يعتنقوا الإسلام إلّا سعيًا وراء مصالحهم، ولا غرو فقد كان معاوية يرمي إلى جعل الخلافة ملكًا كسرويًا، وليس أدل على ذلك من قوله: «أنا أول الملوك» (د. حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماع، (1/ 278، 279)".

 

لقد كانت حملتها في الحلقة الأولى على صحيح مسلم والعلماء الذين تلقوه بالقبول والاحترام على امتداد العصور.

وفي الحلقة الثانية تناولت بالتشويه صحيح الإمام مسلم ومسند الإمام أحمد وبعض كتب الحديث ترى أنها امتدت إليها الافتراءات على معاوية –رضي الله عنه-.

فقرنَتْ بين صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد وبين كتب المستشرقين أعداء الإسلام والمسلمين، ولا سيما كتاب المستشرق نيكلسون الذي يطعن في معاوية -رضي الله عنه- وبني أمية، ومن افتراءات هذا المستشرق.

قوله:

" اعتبر المسلمون انتصار بني أمية وعلى رأسهم معاوية انتصارًا للأرستقراطية الوثنية التي ناصبت الرسول وأصحابه العداء.. إلى أن يقول «إنّ جمهور المسلمين يرون بين الأمويين رجالًا لم يعتنقوا الإسلام إلّا سعيًا وراء مصالحهم، ولا غرو فقد كان معاوية يرمي إلى جعل الخلافة ملكًا كسرويًا، وليس أدل على ذلك من قوله: «أنا أول الملوك» (د. حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماع، 1/ 278، 279)".

ونقول: ليس في صحيح مسلم ولا في مسند أحمد ولا في كتب الحديث أي افتراء، وإنما الكاتبة هي التي تفتري على أهل الحديث، وتنسب إليهم ما هم منه برءاء كبراءة الذئب من دم يوسف -عليه السلام-.

ومن العجائب أنها نقلتْ قول هذا المستشرق: " اعتبر المسلمون انتصار بني أمية وعلى رأسهم معاوية انتصارًا للأرستقراطية الوثنية التي ناصبت الرسول وأصحابه العداء.. إلى أن يقول «إنّ جمهور المسلمين يرون بين الأمويين رجالًا لم يعتنقوا الإسلام إلّا سعيًا وراء مصالحهم، ولا غرو فقد كان معاوية يرمي إلى جعل الخلافة ملكًا كسرويًا، وليس أدل على ذلك من قوله: «أنا أول الملوك»".

نقلَتْ هذا الكلام الذي نسبه هذا المستشرق إلى جمهور المسلمين، ولم تكذب قائليه من أعداء الله، وكيف ترد هذا الإفك وهي تعتقد أن علماء الأمة بصورة عامة وأهل الحديث بصورة خاصة قد قبلوا تصنيف مسلم لمعاوية -رضي الله عنه- ضمن الذين لعنهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟

وكيف ترد هذا الإفك وهي تقول: " فمعاوية -رضي الله عنه- افترى عليه المحدِّثون والمؤرخون"؟

هكذا تقول، وهذا الطعن الشنيع في المحدثين يقتضي تفسيقهم وإسقاط مارووه ودونوه في دواوينهم من أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومنهم الإمامان أحمد ومسلم.

وألحقَتْ مؤرخي الإسلام بالمحدثين في الافتراء على معاوية -رضي الله عنه-، ولم تُفرِّق بين مؤرخي السنة ومؤرخي الروافض والخوارج، ولا نعلم أن أحداً من مؤرخي أهل السنة افترى على معاوية هذا الافتراء، فطعنها هذا من جنس طعن الروافض والمستشرقين في المحدثين ومؤرخي أهل السنة.

فيصدق على دفاعها عن الصحابي الجليل معاوية -رضي الله عنه- المثل القائل: "يبني قصرًا ويهدم مصراً".

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه

ربيع بن هادي عمير المدخلي

25/5/1433هـ

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] وسبب ذلك أنها لا تثق في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في أئمة الإسلام الذين نقلوا هذه الأحاديث والآثار في فضائل هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه .

 

[2] - وبندار هذا هو محمد بن بشار وثّقه كل من الذهبي والحافظ ابن حجر وغيرهما، وهو من رجال الجماعة، ومنهم البخاري ومسلم.

   


مراجع مراجع


© موقع الشيخ ربيع المدخلي 2021 جميع الحقوق محفوظة.
  برمجة وتصميم طريق التطوير