الرئيسية الرئيسية » المقالات» مقالات » دحض أباطيل عبد الحميد الجهني التي أوردها في كتابه المسمى زورًا بالرد العلمي - الحلقة الخامسة

دحض أباطيل عبد الحميد الجهني التي أوردها في كتابه المسمى زورًا بالرد العلمي - الحلقة الخامسة


عدد الزيارات عدد الزيارات : 6412     عدد مرات التحميل عدد مرات التحميل : 2249




بسم الله الرحمن الرحيم

دحض أباطيل عبد الحميد الجهني التي أوردها في كتابه

المسمَّى زورًا بالرد العلمي

الحلقة الـخــامــسة


قال الجهني في كتابه (ص19-20):

"لما قرر الشيخ ربيع المدخلي أن العمل كمال في الإيمان، ذهب يبحث عن أدلة تؤيد هذا المذهب، فوقع على أحاديث الشفاعة، وفيها لفظة معروفة احتجَّ بها (المرجئة) على أن العمل كمال في الإيمان، ووافقهم الشيخ ربيع، وهي لفظة (لم يعمل خيرًا قطفلما ردَّ عليه بعض طلاب الشيخ والمشايخ، وبينوا له خطأ هذا الاستدلال، تمسك بقوله وثبت عليه، وكتب مقالة في الرد عليهم عنوانها: (أحاديث الشفاعة الصحيحة تدمغ الخوارج والحدادية القطبية)!

وظاهر من هذا العنوان أنه يصنف من يخالفه في هذه المسألة بأنه (خارجي حدادي قطبي)!

وما علينا من هذه الألقاب، فإن العبرة بالحقائق، ولا يصح إلَّا الصحيح كما يقول العقلاء؛ لكن المقصود هو الوقوف مع هذه اللفظة التي يحتج بها، علماً بأن هذه اللفظة قد وقف عليها أئمة السنة، وعرفوا أنها قد تكون حُجَّة للمرجئة فأجابوا عنها.

من هؤلاء الأئمة الذين أجابوا عن هذا الحديث الإمام ابن خزيمة رحمه الله إمام السنة والحديث في عصره حيث قال في كتابه (التوحيد) (2/732): وهذه اللفظة: (لم يعملوا خيراً قط) من الجنس الذي يقول العرب، ينفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل، (لم يعلموا خيراً قط): على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به، وقد بينت هذا المعنى في مواضع من كتبي. انتهى كلام الجهني.

أولا: قوله: "لما قرر الشيخ ربيع المدخلي أن العمل كمال في الإيمان".

أقول:

إن القول بأن الإيمان أصل والعمل كمال هو قول أهل السنة والجماعة وأئمتهم، ودليلهم على هذا القول من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.

وربيع سار على هذا المنهج السلفي القائم على الاستدلال بما نص عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.

وقد سقنا للحدادية كلام أئمة الإسلام وما استدلوا به من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فلم يرفع هذا الجهني وحزبه الحدادي رأسا لا بكلام الله ولا بكلام رسوله ﷺ، ولا بكلام أهل السنة المنطلق من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.

وذهبوا يكيلون التهم الباطلة لربيع، موهمين الناس أن ربيعًا انفرد بهذا الكلام، فما أسوأ هذا المنهج الذي يسيرون عليه!.

ثانيًا: قوله: "ذهب يبحث عن أدلة تؤيد هذا المذهب، فوقع على أحاديث الشفاعة".

أقول:

إن هذا الكلام لمن الظنون والتخرصات الباطلة، وكأني لم أعرف الشفاعة إلا بعد أن قررت بغير دليل أن الإيمان أصل والعمل كمال.

لقد عرفت منزلة الشفاعة من طفولتي، ثم من دراستي في المرحلة الثانوية، ثم من دراستي [لشرح الطحاوية] لابن أبي العز في المرحلة الجامعية وقد ذكر أنَّ للشفاعة ثمانية أنواع في هذا الكتاب.

ولعل هذه المعرفة قبل أن يولد هذا الجهني وأكثر أنصاره.

ثم إن استدلالي بأحاديث الشفاعة لإثبات الشفاعة التي ينكرها الخوارج والمعتزلة ويدندن حول إنكارها الحداديون الخوارج الجدد استدلال صحيح وحق وعلى منهج السلف الصالح.

وقوله: "وفيها (أي: أحاديث الشفاعة) لفظة معروفة احتجَّ بها (المرجئة) على أن العمل كمال في الإيمان، ووافقهم الشيخ ربيع، وهي لفظة (لم يعمل خيرًا قط)".

أقول:

إن هذا الكلام لمن الأباطيل التي لا يقولها إلا أجهل الناس بمذهب المرجئة أو كذاب يتحرى الكذب؛ إذ المعروف عند أهل العلم السابقين واللاحقين وطلاب العلم أن بعض المرجئة يقولون: الإيمان المعرفة.

وبعضهم يقولون: الإيمان التصديق.

وبعضهم يقولون: الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان.

وكلهم لا يدخلون العمل في الإيمان ولا يعتقدون أنه يزيد وينقص، فمن أين لك أنهم يقولون: إن العمل كمال في الإيمان وهذا حالهم؟

أثبت هذا من كلامهم وكتبهم إن كنت صادقًا.

ثالثًا: قول الجهني: "لكن المقصود هو الوقوف مع هذه اللفظة التي يحتج بها، علماً بأن هذه اللفظة قد وقف عليها أئمة السنة، وعرفوا أنها قد تكون حُجَّة للمرجئة فأجابوا عنها".

أقول:

إن هذا القول لمن التخرص، أثبت يا هذا أن أئمة السنة عرفوا أن هذه الكلمة قد تكون حجة للمرجئة فأجابوا عنها.

انقل لنا هذه الأجوبة عن أئمة السنة بأسمائهم ومواضع هذه الإجابات من كتب أهل السنة، وإلا فليعرف العقلاء أنك تتكلم بالباطل، وتنسب أباطيلك إلى العلماء من أهل السنة.

رابعًا: قوله: "من هؤلاء الأئمة الذين أجابوا عن هذا الحديث الإمام ابن خزيمة رحمه الله إمام السنة والحديث في عصره حيث قال في كتابه (التوحيد) (2/732): وهذه اللفظة: (لم يعملوا خيراً قط) من الجنس الذي يقول العرب، ينفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل، (لم يعلموا خيراً قط): على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به، وقد بينت هذا المعنى في مواضع من كتبي. انتهى كلامه.".

أقول:

إن الإمام ابن خزيمة تحدث عن الشفاعة في كتاب "التوحيد" وأطال النَّفَس في إخراج أحاديث الشفاعة من (2/588-770)، مؤمنا بها مسلما بها، وهذا العمل الجليل منه يدحض هذا القول الذي يتعلق به هذا الحدادي والذي يستبعد أن يصدر من الإمام ابن خزيمة الذي يسلم بكل أحاديث الشفاعة تسليمًا مطلقًا، وسأورد بعض هذه الأحاديث.

فمن أحاديث الشفاعة التي أوردها في كتابه (2/631):

1- حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته واختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات منكم لا يشرك بالله شيئًا».

2- وفي (2/641-642) أورد حديث عوف بن مالك في الشفاعة، كرره مرتين، وفي آخره قوله صلى الله عليه وسلم-: «فإني أشهد من حضرني أن شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا».

وهذا الحدادي وحزبه لا يرفعون رأسًا بهذين الحديثين وما جرى مجراهما.

3- وفي (2/693-695) قال:

"بَابُ ذِكْرِ خَبَرٍ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي إِخْرَاجِ شَاهِدِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مِنَ النَّارِ".

ثم قال: "أَفْرَقُ أَنْ يَسْمَعَ بِهِ بَعْضُ الْجُهَّالِ، فَيَتَوَهَّمُ أَنَّ قَائِلَهُ بِلِسَانِهِ، مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقِ قَلْبٍ، يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ، جَهْلًا وَقِلَّةَ مَعْرِفَةٍ بِدِينِ اللهِ، وَأَحْكَامِهِ".

ثم واصل الذم لهذا النوع من الجهال.

فيرى القارئ أن الإمام ابن خزيمة إنما ينكر على من يعتقد أن قائل (لا إله إلا الله) بلسانه دون تصديق بقلبه يخرج من النار، وإذن فهو لا ينكر أن قائل (لا إله إلا الله محمد رسول الله) بلسانه مصدقا بقلبه مخلصا في ذلك أنه يخرج من النار بهذا التوحيد؛ بل هو مؤمن بما دل عليه هذا الحديث وغيره من الأحاديث، ومن هنا ساق حديث أنس عن النبي ﷺ مختصرًا ومنه:

«مَا زِلْتُ أَشْفَعُ إِلَى رَبِّي، وَيُشَفِّعُنِي حَتَّى قُلْتُ: أَيْ رَبِّي، شَفِّعْنِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ لَيْسَتْ لَكَ وَلَا لِأَحَدٍ، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَرَحْمَتِي لَا أَدَعُ فِي النَّارِ أَحَدًا، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ».

ساق ابن خزيمة هذا الحديث مسلِّماً به.

ثم ساق ما ذكره من حديث أنس مرة أخرى من طريق معبد بن هلال، مُسلِّمًا بذلك.

وهذا الجزء الذي ذكره هو بعض حديث أنس المتفق عليه، وهو على مراحل في الشفاعة:

المرحلة الأولى: الشفاعة فيمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان.

والثانية: الشفاعة فيمن في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.

والثالثة: الشفاعة فيمن في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان.

والرابعة: يقول فيها رسول الله ﷺ: «يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله. فقال الله: ليس ذلك لك. أو قال: ليس ذاك إليك، وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبروتي لأخرجن من النار قال لا إله إلا الله»، انظر (2/714-716).

وهذا الحديث الصحيح الذي سلم به ابن خزيمة أورده الإمام البخاري في صحيحه وذكر فيه ثلاث مراحل، وفي المرحلة الثالثة قال: «يخرج من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة».

وفي لفظ في البخاري: «ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود»، انظر صحيح البخاري حديث (7410)، ومسلم حديث (193).

ساقه الإمام ابن خزيمة مسلِّماً به تسليماً مطلقاً.

والحدادية يعارضون هذه الأحاديث الصحيحة الدالة على فضل التوحيد وأن من يلقى الله بهذا التوحيد بعيدًا عن الشرك لابد أن يخرجه الله من النار رغم أنوف الحدادية الخوارج، بل هؤلاء الحدادية لا يرفعون رأساً بقول الله تعالى.

4- وفي (2/696) قال ابن خزيمة رحمه الله:

"بَابُ ذِكْرِ الْبَيَانِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَشْفَعُ لِلشَّاهِدِ لِله بِالتَّوْحِيدِ الْموَحِّدِ لِله بِلِسَانِهِ إِذَا كَانَ مُخْلِصًا وَمُصَدِّقًا بِذَلِكَ بِقَلْبِهِ، لَا لِمَنْ تَكُونُ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ مُنْفَرِدَةً عَنْ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ".

ثم أورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: مَاذَا رَدَّ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الشَّفَاعَةِ؟ «قَالَ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يَسْأَلُنِي عَنْ ذَلِكَ مِنْ أُمَّتِي لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْعِلْمِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَا يُهِمُّنِي مِنَ الْقَضَاءِ فِيهِمْ عَلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ أَهَمُّ عِنْدِي مِنْ تَمَامِ شَفَاعَتِي وَشَفَاعَتِي لِمَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُخْلِصًا يُصَدِّقُ قَلْبُهُ لِسَانَهُ وَلِسَانُهُ قَلْبَهُ».

وساق بعده جزأ من حديث أبي هريرة ومنه: «وَقَالَ مِنْ تَمَامِ شَفَاعَتِي لَهُمْ وَقَالَ: لِمَنْ شَهِدَ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مُخْلِصًا».

ثم قال: "قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا زَادَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَالْبَاقِي مِثْلُ لَفْظِهِ".

5- وفي (ص699) ساق حديث أبي هريرة: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوْلَى([1]) مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ نَفْسِهِ».

فالإمام ابن خزيمة يؤمن بهذه الأحاديث الصحيحة الدالة على مكانة التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويسوقها للاحتجاج بها وأن من قالها مخلصًا وإن عذب بالنار فإنه لابد أن يخرج منها بشفاعة رسول الله ﷺ وبفضل رحمة الله.

6- وفي (ص700) ساق جزأ من حديث أنس رضي الله عنه.

ونصه عن أنس عن النبي ﷺ: «قَالَ يَقُولُ اللَّهُ أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ دُودَةً أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً».

وهذا الحديث عن أنس يؤكد ما سلف ويؤمن به كل أهل السنة ومنهم ابن خزيمة.

7- وقال في (2/702- 703):

"بَابُ ذِكْرِ الْأَخْبَارِ الْمُصَرِّحَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ فِي الدُّنْيَا إِيمَانٌ» دُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ فِي الدُّنْيَا إِيمَانٌ مِمَّنْ كَانَ يُقِرُّ بِلِسَانِهِ بِالتَّوْحِيدِ، خَالِيًا قَلْبُهُ مِنَ الْإِيمَانِ مَعَ الْبَيَانِ الْوَاضِحِ أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاضَلُونَ فِي إِيمَانِ الْقَلْبِ، ضِدَّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ مِنْ غَالِيَةِ الْمُرْجِئَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَكُونُ فِي الْقَلْبِ".

ثم رد على صنف آخر.

8- ثم ساق في (ص706) جزأً من حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ ألا وهو قوله:

«فَيَقُولُ اللَّهُ: انْظُرُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ زِنَةُ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ، أَخْرِجُوهُ»، ثُمَّ ذَكَرَ زِنَةَ قِيرَاطٍ، ثُمَّ ذَكَرَ زِنَةَ مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ.

ثم قال: "قَدْ خَرَّجْتُ هَذَا الْخَبَرَ، فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ بِتَمَامِهِ".

9- ثم أورد في هذا الباب حديث سلمان رضي الله عنه في شفاعة النبي ﷺ، ومنه:

"قَالَ: يَفْعَلُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَيَشْفَعُ لِمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ حَبَّةٌ مِنْ حِنْطَةٍ، أَوْ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ، أَوْ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلِ مِنْ إِيمَانٍ " قَالَ سَلْمَانُ: فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ".

وحديث سلمان هذا يؤكد ما سلف من الأحاديث في الشفاعة في من عنده أدنى شيء من الإيمان.

10- ثم أشار إلى شيء من حديث أبي سعيد، وحديث أنس في المثاقيل.

11- وفي (2/708) ساق حديث أنس من طريق: عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن جده أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنَ الْإِيمَانِ، أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ بُرَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ، أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوْ([2]) ذَكَرَنِي أَوْ خَافَنِي فِي مَقَامٍ»، وعبيد الله بن أبي بكر ثقة/ع. [تقريب].

وهذا الحديث يؤمن به ابن خزيمة وغيره من أهل السنة.

12- ثم في (ص709) كرر حديث عبيد الله بن أبي بكر عن جده أنس رضي الله عنه-، ثم كرر حديث عبيد الله ابن أبي بكر مرة أخرى أيضًا (ص710).

13- وفي (ص711) ساق حديث أنس من طريق عمرو بن أبي عمرو عن أنس مرفوعًا -وعمرو بن أبي عمرو ثقة ربما وهم فحديثه هذا صحيح- وفيه ثلاث مراحل للشفاعات النبوية، وفيه:

«اذْهَبْ، فَمَنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، مِنْ إِيمَانٍ، فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ».

14- وفي (2/714- 716) أورد حديث أنس من طريق معبد عن أنس مرفوعًا بطوله، وفيه ثلاث مراحل آخرها قوله: «فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ، مِنَ الْإِيمَانِ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ».

وفي المرة الرابعة بعد تلك المراحل الثلاث يقول رسول الله ﷺ:

«يَا رَبُّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: فَيُقَالُ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».

وهاك هذا الحديث بنصه:

"حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَ: ثَنَا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ، قَالَ: انْطَلَقْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فِي زَمَنِ الثَّمَرَةِ، وَمَعَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، لِهَذَا الْحَدِيثِ، فَاسْتَأْذَنَ ثَابِتٌ، فَأُذِنَ لَنَا وَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَأَجْلَسَ ثَابِتًا مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، أَوْ قَالَ عَلَى فِرَاشِهِ قَالَ: فَقُلْتُ لِأَصْحَابِنَا: لَا تَسْأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّا خَرَجْنَا لَهُ، قَالَ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، إِنَّ إِخْوَانَكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ جَاءُوكَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ قَالَ: فَيُؤْتَى آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيُقَالُ: آدَمُ، اشْفَعْ فِي ذُرِّيَّتِكَ قَالَ: فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللَّهِ، فَيُؤْتَى إِبْرَاهِيمُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى، فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ، فَيُؤْتَى مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى، فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيُؤْتَى عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأُوتَى، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا فَأَنْطَلِقُ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ، لَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا الْآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخَّرُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ، يُسْمَعْ، وَسَلْ، تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ: يَا رَبُّ أُمَّتِي، أُمَّتِي، قَالَ: فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ إِمَّا إِنْ قَالَ مِثْقَالَ بُرَّةٍ، وَإِمَّا إِنْ قَالَ: مِثْقَالَ شَعِيرَةٍ مِنَ الْإِيمَانِ فَأَخْرَجَهُ مِنْهَا، فَأنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، وَأَخَرُّ سَاجِدًا قَالَ: فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبُّ أُمَّتِي، أُمَّتِي قَالَ: فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ، مِنَ الْإِيمَانِ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ "، قَالَ مَعْبَدٌ: فَأَقْبَلْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهْرِ الْجَبَّانِ، قُلْتُ: لَوْ مِلْنَا إِلَى الْحَسَنِ وَهُوَ مُسْتَخْفٍ فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ، قَالَ: فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ، جِئْنَا مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَبِي حَمْزَةَ وَحَدَّثْنَاهُ، حَتَّى إِذَا فَرَغْنَا، قَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ إِلَّا بِهَذَا؟ قُلْنَا: مَا زَادَنَا عَلَى هَذَا، قَالَ: فَقَالَ الْحَسَنُ: لَقَدْ حَدَّثَنِي مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَمَا أَدْرِي أَنْسِيَ الشَّيْخُ، أَمْ كَرِهَ أَنْ يُحَدِّثَكُمْ فَتَتَّكِلُوا، قَالَ: فَقَالُوا: يَا أَبَا سَعِيدٍ، حَدِّثْنَا فَضَحِكَ، وَقَالَ: خُلِقَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا، إِنِّي لَمْ أَذْكُرْهُ إِلَّا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ، حَدِّثْنِي كَمَا حَدَّثَكُمْ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ قَالَ: " فَأَقُومُ الرَّابِعَةَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخَّرَ لَهُ سَاجِدًا، قَالَ: فَيُقَالُ لِي: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ، يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ، تُشَفَّعْ، قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: يَا رَبُّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: فَيُقَالُ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ".

 قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ زِنَةُ الدِّينَارِ وَلَا نِصْفُهُ وَفِي آخِرِهِ زِيَادَةُ ذِكْرِ أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلِ ".

والحدادية كسادتهم الخوارج يعترضون على الله الذي أقسم بعزته وكبريائه وعظمته ليخرجن من النار من قال: "لا إله إلا الله" مخلصًا من قلبه.

ثم كرر حديث أنس.

15- ثم قال في (2/724):

"بَابُ ذِكْرِ الْبَيَانِ أَنَّ الْمَقَامَ الَّذِي يَشْفَعُ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ هُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وَعْدَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾".

ثم ساق حديث أبي هريرة رضي الله عنه المرفوع (ص726) ونصه:

"قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَدَّ إِلَيْكَ رَبُّكَ فِي الشَّفَاعَةِ، قَالَ: «قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يَسْأَلُنِي عَنْهَا مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْعِلْمِ، وَشَفَاعَتِي لِأُمَّتِي مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يُصَدِّقُ قَلْبُهُ لِسَانَهُ أَوْ لِسَانُهُ قَلْبَهُ»".

16- وفي (2/727-728) قال:

"بَابُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ أَنَّ جَمِيعَ الْأَخْبَارِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرَي لَهَا إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فِي شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي إِخْرَاجِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مِنَ النَّارِ إِنَّمَا هِيَ أَلْفَاظٌ عَامَّةٌ مُرَادُهَا خَاصٌّ.

قَوْلُهُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ كَذَا مِنَ الْإِيمَانِ أَنَّ مَعْنَاهُ بَعْضُ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ قَدْرُ ذَلِكَ الْوَزْنِ مِنَ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَعْلَمَ أَنَّهُ يَشْفَعُ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَيْضًا غَيْرُهُ...". ذكره بطوله.

فقصده من قوله: "إِنَّمَا هِيَ أَلْفَاظٌ عَامَّةٌ مُرَادُهَا خَاصٌّ" أن الشفاعة ليست خاصة بالنبي ﷺ بل يشاركه في الشفاعة الملائكة والأنبياء والمؤمنون كما هو الواقع وكما هو صريح كلام الإمام ابن خزيمة لا كما فهمه الجهني.

فافهم هذا إن كان عندك فهم وإنصاف.

17- ثم أخرج ابن خزيمة في هذا الباب حديث أبي سعيد المتفق عليه في (2/729-730)، وفيه بيان أن الشفاعة تكون في المؤمنين الموحدين على خمس مراحل:

الأولى: في المصلين الصائمين.

والثانية: فيمن في قلبه مثقال قيراط([3]) من خير، فيخرجون بشرًا كثيرًا.

والثالثة: فيمن في قلبه مثقال نصف قيراط(1) من خير.

والرابعة: من في قلبه مثقال ذرة.

والخامسة: يقول الشافعون: «رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا، فَيَقُولُ الله: هَلْ بَقِيَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، قَدْ شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ الْأَنْبِيَاءُ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ فَهَلْ بَقِيَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، قَالَ: فَيَأْخُذُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ قَوْمًا قَدْ صَارُوا حُمَمَةً([4]) لَمْ يَعْمَلُوا لَهُ عَمَلَ خَيْرٍ قَطُّ فَيُطْرَحُوا فِي نَهَرٍ يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ فِيهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ».

لقد ساق الإمام ابن خزيمة في هذا الكتاب: [كتاب التوحيد] أحاديث كثيرة جدًّا فيها المختصر وفيها المطول، وفيها:

الشفاعة في المصلين.

والشفاعة فيمن في قلبه كذا وكذا إلى: من في قلبه مثقال ذرة، ومن في قلبه أدنى أدنى أدنى حبة خردل من إيمان.

ثم ذكر بعد هذه المراحل من تدركهم رحمة أرحم الراحمين ممن قال: لا إله إلا الله.

فيخرجهم من النار ويدخلهم الجنة.

يؤمن الإمام ابن خزيمة بهذه الأحاديث المتضمنة لهذه الشفاعات كلها، ويسلم بها تسليمًا مطلقًا، ويؤمن ويسلم بها جميع أهل السنة السابقون لابن خزيمة واللاحقون له إلى يومنا هذا.

بخلاف أهل الأهواء السابقين منهم واللاحقين من الخوارج، فلا يؤمنون بهذه الأحاديث وما تضمنته من الشفاعات في إخراج الموحدين من النار.

ويشاركهم أيضًا المرجئة، لأنهم يعتقدون أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وعدد من الآيات القرآنية تدل على أن الإيمان يزيد، وأحاديث الشفاعة تدل على أن الإيمان ينقص وينقص حتى لا يبقى منه إلا أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان.

فافهم يا جهني عقيدة أهل السنة والجماعة القائمة على الكتاب والسنة، وافهم عقيدة المرجئة الباطلة والمخالفة لنصوص الكتاب والسنة، ولا تقذف أهل السنة بالإرجاء الذي يحاربونه بصدق وإخلاص من منطلق سلفي.

قال الجهني (ص19) من كتابه المذكور:

"لكن المقصود هو الوقوف مع هذه اللفظة التي يحتج بها، علماً بأن هذه اللفظة قد وقف عليها أئمة السنة، وعرفوا أنها قد تكون حُجَّة للمرجئة فأجابوا عنها.

من هؤلاء الأئمة الذين أجابوا عن هذا الحديث الإمام ابن خزيمة رحمه الله إمام السنة والحديث في عصره حيث قال في كتابه (التوحيد) (2/732): وهذه اللفظة: «لم يعملوا خيراً قط» من الجنس الذي يقول العرب، ينفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل، «لم يعلموا خيراً قط»: على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به، وقد بينت هذا المعنى في مواضع من كتبي. انتهى كلامه".

أقول:

1- قد سلف قوله في هذه الصفحة (19-20) عن قوله ﷺ: «لم يعلموا خيراً قط» "أن المرجئة احتجوا بها".

وهذا قول باطل؛ لأن هذا القول ضد عقيدتهم التي فيها أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ذلك القول الباطل المصادم لنصوص الكتاب والسنة كما أسلفنا.

ونطالب الجهني: أين ومتى احتج المرجئة بهذا القول؟

2- انظر إليه يعترف أنني رددت على الحدادية بمقالة عنوانها: (أحاديث الشفاعة الصحيحة تدمغ الخوارج والحدادية القطبية).

ثم يتجاهل هذه الأحاديث الصحيحة المتواترة التي سلم بها أهل السنة جميعًا، ويتعلق بهذه الجملة تعلقاً باطلاً من بين تلك الأحاديث وما فيها من بيانات وتفاصيل واضحة للشفاعات المتعددة الصادرة من الملائكة والأنبياء والمؤمنين.

وما تضمنته بعض تلك الأحاديث من مراحل للشفاعات، ومنها: يخرج بالشفاعة من في قَلْبِه أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنَ إِيمَانِ، وبعدها شفاعة أرحم الراحمين فيمن قال: لا إله إلا الله.

مع مؤيدات لها يذهب الحداديون ومنهم: عبد الحميد الجهني بعيدًا كل البعد عن كل هذه الأحاديث ويتعلقون بهذه الجملة ويحاربون بها أحاديث الشفاعة ومن يؤمن بها ويسلم بها.

تلك الأساليب الرديئة التي قد يخجل منها كثير من أهل البدع والضلال.

أيها القوم: هل ما عند أهل السنة وربيع حجة إلا هذه الجملة فقط؟!

وهكذا يفعل كثير من أهل الباطل والأهواء.

3- زعم الجهني أن هذه اللفظة وقف عليها أئمة السنة وعرفوا أنها قد تكون حجة للمرجئة فأجابوا عنها.

وأقول:

حاشا أئمة السنة أن ينحدروا إلى هذا المستوى الهابط فيعتقدون أن المرجئة قد يحتجون بها، وهم يعرفون أنها من أقوى الحجج على المرجئة الذين يعتقدون أن العمل ليس من الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.

فهات أقوال أئمة أهل السنة في الإجابة عن هذه الجملة إن كنت صادقًا وإلا فدع عنك الأقاويل الباطلة؟

قوله (ص19): "من هؤلاء الأئمة الذين أجابوا عن هذا الحديث الإمام ابن خزيمة رحمه الله إمام السنة والحديث في عصره حيث قال في كتابه (التوحيد) (2/732): وهذه اللفظة: (لم يعملوا خيراً قط) من الجنس الذي يقول العرب، ينفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل، (لم يعلموا خيراً قط): على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به، وقد بينت هذا المعنى في مواضع من كتبي. انتهى كلامه.

وكأنه أراد رحمه الله أن يرد على المرجئة في عصره، فهم الذين يحتجون بمثل هذه العمومات، يدل عليه تبويبه، حيث قال:

(باب ذكر الدليل أن جميع الأخبار التي تقدم ذكري لها إلى هذا الموضع في شفاعة النبي ﷺ في إخراج أهل التوحيد من النار: إنما هي ألفاظ عامة مرادها خاص). انتهى".

أقول:

قد سبق بيان مراد الإمام ابن خزيمة من هذه من نفس كلامه تحتها.

وانظر إلى هذا الرجل حيث يقول: "من هؤلاء الأئمة الذين أجابوا عن هذا الحديث الإمام ابن خزيمة".

وابن خزيمة لم يجب عن حديث وإنما أجاب عن جملة من الحديث سماها: لفظة.

أما الحديث  الذي منه هذه الجملة وهو حديث أبي سعيد الذي يتضمن خمس مراحل للشفاعة، الرابعة منها يقول الله عز وجل للشفعاء: «أخرجوا منها -أي: من النار- من في قلبه مثقال ذرة».

والخامسة: يقول الله: «فَهَلْ بَقِيَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، قَالَ: فَيَأْخُذُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ قَوْمًا قَدْ صَارُوا حُمَمَةً لَمْ يَعْلَمُوا لَهُ عَمَلَ خَيْرٍ قَطُّ».

فيقال لمن يتعلق بكلام ابن خزيمة رحمه الله في تفسيره لهذه الجملة -إن كان قد صدر منه هذا الكلام-:

1-كلٌّ يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ.

2-لقد ساق هذا الإمام أحاديث كثيرة في الشفاعة ووضع لها عناوين منها([5]):

1)  "بَابُ ذِكْرِ خَبَرٍ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي إِخْرَاجِ شَاهِدِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مِنَ النَّارِ"

2)  "بَابُ ذِكْرِ الْبَيَانِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَشْفَعُ لِلشَّاهِدِ لِله بِالتَّوْحِيدِ الْموَحِّدِ لِله بِلِسَانِهِ إِذَا كَانَ مُخْلِصًا وَمُصَدِّقًا بِذَلِكَ بِقَلْبِهِ، لَا لِمَنْ تَكُونُ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ مُنْفَرِدَةً عَنْ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ".

3)  "بَابُ ذِكْرِ الْأَخْبَارِ الْمُصَرِّحَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ فِي الدُّنْيَا إِيمَانٌ» دُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ فِي الدُّنْيَا إِيمَانٌ مِمَّنْ كَانَ يُقِرُّ بِلِسَانِهِ بِالتَّوْحِيدِ، خَالِيًا قَلْبُهُ مِنَ الْإِيمَانِ مَعَ الْبَيَانِ الْوَاضِحِ أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاضَلُونَ فِي إِيمَانِ الْقَلْبِ، ضِدَّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ مِنْ غَالِيَةِ الْمُرْجِئَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَكُونُ فِي الْقَلْبِ".

4)  "بَابُ ذِكْرِ الْبَيَانِ أَنَّ الْمَقَامَ الَّذِي يَشْفَعُ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ هُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وَعْدَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾".

5)  "بَابُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ أَنَّ جَمِيعَ الْأَخْبَارِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرَى لَهَا إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فِي شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي إِخْرَاجِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مِنَ النَّارِ إِنَّمَا هِيَ أَلْفَاظٌ عَامَّةٌ مُرَادُهَا خَاصٌّ([6])".

أضف إلى هذا أنَّ هناك نصوصًا قرآنية، والقرآن بلسان عربي مبين، تُبيِّن أن هذا التفسير المنسوب إلى الإمام ابن خزيمة خطأ .

1-يقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾[الإسراء: 111].

فهل يجوز لمسلم أن يفسر هذه الآية على النحو الذي فسر به الإمام ابن خزيمة هذه الجملة؟ إن ثبتَ هذا التعبير عنه.

2-وقال تعالى لنبيه زكريا عليه السلام: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 9].

فهل يصح أن يقال: ولم يكن شيئا على التمام والكمال؟

لا يصح؛ لأنه يؤدي إلى القول بأنه كان موجودًا لكن على غير التمام والكمال.

3-وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1].

فهل يصح أن يقال: إن الإنسان كان موجودًا قبل أن يخلقه الله لكن وجوده على غير الكمال والتمام؟

4-وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40].

فهل يصح أن يقال: إن هذا النور موجود ولكن نفي لنقصه عن الكمال والتمام؟

5-وقال تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾[نوح: 25].

فهل يصح أن يقال: إن لهم أنصارًا لكن نفى الله وجودهم لنقصان نصرتهم؟

الجواب: لا يصح أبدًا لا هذا التفسير ولا ذاك.

فهل يرضى الجهني وأنصاره بهذه التفسيرات الباطلة؟

والآيات التي تدل على بطلان هذا التفسير لهذه الجملة كثيرة، إضافة إلى أن أحاديث الشفاعة التي أوردها الإمام ابن خزيمة والتي يسلم لها هذا الإمام تسليمًا مطلقًا ويسلم لها أهل السنة تسليمًا مطلقًا كلها ترد هذا التفسير.

ونحن نعرف منزلة هذا الإمام، إن كان قد صدر منه هذا الكلام الغريب، وأنه مجتهد فيصيب ويخطئ، فما أصاب فيه فله فيه أجران، وما أخطأ فيه له فيه أجر واحد.

وهو يرد أخطاء أئمة أكبر منه رحم الله الجميع.

قال الجهني (ص20-21):

"ومما يدل على أن هذه اللفظة من المتشابه، روايات أخرى محكمة في أحاديث الشفاعة، فيها بيان واضح والحمد لله، من ذلك الرواية التي أخرجها الإمام البخاري رحمه الله في (صحيحه) (برقم/6573) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيها قال رسول الله ﷺ: (حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده، وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج، ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكةَ أن يخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيخرجونهم قد امتشحوا، فيصب عليهم ماءٌ يقال له ماءُ الحياة فينبتون نبات الحبةِ في حميل السيل).

فهذه الرواية تُبيِّن أن آخر من يخرج من النار من الموحدين هم من المصلين.

وعليه فجميع الروايات المتشابهة في أحاديث الشفاعة يجب أن تحمل على هذه الرواية.

ومن فقه الإمام البخاري رحمه الله أنه أعرض عن هذه اللفظة (لم يعملوا خيراً قط) مع أنه شارك الإمام مسلمًا رحمه الله في رواية الحديث، كما سيأتي.

ولعله لاحظ ما فيها من اشتباه، فتركها خشية أن تتعلق بها المرجئة، وكان قد ترجم في كتاب العلم في (صحيحه): (باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه).

قلت: وقد عمل بهذه الترجمة في هذا الموضع، والله تعالى أعلم".

أقول:

انظر إلى هذا التلبيس والكتمان لما تضمنته أحاديث الشفاعة من التفصيلات الجلية والواضحة وضوح الشمس، ومع هذا يزعم هذا الجهني أنها من المتشابه، ذلك القول الرديء الذي يردده والذي لم يقله أهل السنة السابقون واللاحقون، ولم يقله إلا الحدادية ومن لبسوا عليه في هذا العصر.

قوله: "ومما يدل على أن هذه اللفظة من المتشابه، روايات أخرى محكمة في أحاديث الشفاعة، فيها بيان واضح والحمد لله".

أقول:

لقد تعلق بهذا النص المختصر الذي فيه شفاعة الملائكة في صنف واحد وهم المصلون فقط، ودفن الروايات المتواترة الواضحة التي فيها شفاعات النبي ﷺ مرات، وشفاعات الأنبياء والملائكة والمؤمنين مرات، والتي فيها الشفاعة في عدد من أصناف المذنبين، في من عنده مثقال دينار من إيمان، ومن في قلوبهم مثقال نصف دينار من إيمان إلى من في قلوبهم مثقال ذرة من إيمان إلى من في قلوبهم أدنى أدنى من مثقال خردلة من إيمان.

وأخيراً رحمة أرحم الراحمين فيمن قال: لا إله إلا الله. مخلصًا من قلبه.

مثل حديث أبي سعيد الذي فيه النص الواضح في خمسة أصناف من المذنبين، بدأً بالمصلين وانتهاءً بمن في قلبه مثقال ذرة من إيمان.

ثم بعدها المرحلة الخامسة وهي رحمة رب العالمين.

ونحوه حديث أنس رضي الله عنه وفيه عدد من الشفاعات آخرها: الشفاعة فيمن في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان.

وبعد هذه الشفاعات يخرج أرحم الراحمين من قال: "لا إله إلا الله" مخلصاً من قلبه.

ومع وضوح هذه الأحاديث وغيرها من أحاديث الشفاعة يقول هذا الحدادي الذي امتلأ دماغه بفكر الخوارج:

"فهذه الرواية تُبيِّن أن آخر من يخرج من النار من الموحدين هم من المصلين".

يعني أن هذه الرواية تسقط كل الروايات التي فيها شفاعات الأنبياء وعلى رأسهم رسول الله ﷺ، ثم شفاعة الملائكة، ثم شفاعات المؤمنين في عدد من الأصناف، فتلك الشفاعات كلها من المتشابه في حكم هذا المسكين؛ فهو يلغي كل شفاعات رسول الله ﷺ والأنبياء والملائكة والمؤمنين بهذا الحديث المختصر.

وهكذا يكون العلم والفقه!

نصٌّ واحد اختصره بعض الرواة يسقط به هذا الحدادي الأحاديث الصحيحة المتواترة الدالة على فضل الإيمان والتوحيد وعلى رأفة الأنبياء وعلى رأسهم خاتم الأنبياء ثم الملائكة ثم المؤمنين، بل على رحمة أرحم الراحمين.

إن أهل السنة جميعًا يرون أن أحاديث الشفاعة بتفاصيلها من المحكمات، ويؤمنون بها كلها إيمانًا لاشك فيه.

وأقول:

وقبل هذه الأدلة المتواترة قول الله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).

وقد سلّمَ بهذا النص القرآني ابن كثير في تفسيره (4/99-110).

قال رحمه الله- في تفسيره لهذه الآية: "وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيث مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فَلْنَذْكُرْ منها ما تيسر".

ثم ساق حوالي خمسة عشر حديثاً، ما بين حديث صحيح وضعيف منجبر.

 وأخذ بمضمون هذه الآية ابن جرير والبغوي والسعدي. انظر تفاسيرهم لهذه الآية من سورة النساء رقم (48).

فأهل السنة في وادٍ، والحدادية في وادٍ آخر، في وادي الخوارج.

وقول الجهني:

"قال ابن خزيمة في كتابه التوحيد (727-728): (باب ذكر الدليل أن جميع الأخبار التي تقدم ذكري لها إلى هذا الموضع في شفاعة النبي ﷺ في إخراج أهل التوحيد من النار: إنما هي ألفاظ عامة مرادها خاص)".

أقول:

لقد بين الإمام ابن خزيمة مراده من هذه الترجمة بالكلام الآتي، فقال:

"قَوْلُهُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ كَذَا مِنَ الْإِيمَانِ أَنَّ مَعْنَاهُ بَعْضُ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ قَدْرُ ذَلِكَ الْوَزْنِ مِنَ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَعْلَمَ أَنَّهُ يَشْفَعُ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَيْضًا غَيْرُهُ، فَيَشْفَعُونَ، فَيَأْمُرُ اللَّهُ أَنْ يُخْرَجَ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ غَيْرِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ، قَدْرُ مَا أَعْلَمَ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِشَفَاعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْ يَشْفَعُ مِنْ أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، إِنَّمَا يَشْفَعُ بِأَمْرِهِ، كَخَبَرِ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَائِزٌ أَنْ تُنْسَبَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِأَمْرِهِ بِهَا".

فهذا بيان واضح لهذه الترجمة التي اختطفها الجهني وكتم ما بعدها من البيان الجلي ليلبس بها على القراء ليمشي مذهبه الباطل.

انظر أولا إلى قول ابن خزيمة:

"قَوْلُهُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ كَذَا مِنَ الْإِيمَانِ أَنَّ مَعْنَاهُ بَعْضُ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ قَدْرُ ذَلِكَ الْوَزْنِ مِنَ الْإِيمَانِ".

يعني أن هؤلاء إنما يشفعون في بعض من في قلبه ذلك الوزن، ويشفع غيرهم في بعض هذا النوع.

يشير بهذا إلى تعدد الشافعين من الملائكة والأنبياء وغيرهم ممن يأذن الله لهم بالشفاعة.

وهذا الحدادي يريد استغلال هذه الترجمة لتأييد قوله إن أحاديث الشفاعة متشابهة وعامة.

وكم عنده من التلبيسات والمغالطات والكتمان للنصوص التي تخالف منهجه الباطل.

قال الجهني (ص21-23):

"وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الاحتجاج بأحاديث الشفاعة على ما يقرره الشيخ ربيع المدخلي من ثلاثة وجوه، كافية لطالب الحق.

قال رحمه الله:

1- وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنه وغيرهما في الحديث الطويل حديث التجلي أنه: (إذا تجلى تعالى لعباده يوم القيامة سجد له المؤمنون وبقي ظهر من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة مثل الطبق لا يستطيع السجود)، فإذا كان هذا حال من سجد رياء فكيف حال من لم يسجد قط؟!

2- وثبت أيضاً في الصحيح: (أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا موضع السجود فإن الله حرم على النار أن تأكله)، فعُلم أن من لم يكن يسجد لله تأكله النار كله.

3- وكذلك ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أمته يوم القيامة (غُرًّا محجلين من آثار الوضوء) فدلَّ على أن لم يكن غرًّا مُحجلاً لم يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون من أمته. [(مجموع الفتاوى) (612/7)].

أما الشيخ ربيع هدانا الله وإياه- فيتبنَّى فَهماً خاصّاً به، موافقاً لفهم (المرجئة) ثم يزعم أن هذا هو فهم العلماء، كما فعل في أحاديث الشفاعة، فقد جعل ثُلة من الأئمة قائلين بقوله في الاحتجاج بأحاديث الشفاعة في نجاة تارك الأعمال، وجعل منهم شيخ الإسلام ابن تيمية!

قال الشيخ ربيع: وقل مثل ذلك في شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه قد يرى كفر تارك الصلاة، لكنه إذا وقف أمام أحاديث الشفاعة استسلم لها وصدع بمضمونها. انتهى

ثم نقل كلاماً لشيخ الإسلام ليس فيه حجة له إلَّا على طريقته في اتباع المتشابه.

وقد تقدم قريباً كلام شيخ الإسلام الواضح الصريح في الرد على استدلالات الشيخ ربيع.

والمقصود أن كل العلماء استسلموا عنده لهذا الفهم الذي يفهمه هو، ثم يجعله احتجاجاً واستسلاماً لأحاديث الشفاعة، ومن لا يتفق معه على هذا الفهم لم يؤمن عنده بأحاديث الشفاعة! ولهذا شنَّع على طلاب العلم الذين ردوا عليه فهمه لأحاديث الشفاعة، ذاك الفهم الذي وافق فيه المرجئة، بأنهم لم يؤمنوا بأحاديث الشفاعة، وكتب فيها هذه المقالة: (أحاديث الشفاعة الصحيحة تدمغ الخوارج والحدادية القطبية)، فما أعسرها هذه المسالك التي يسلكها الشيخ ربيع المدخلي فيجعل من يعتقد عقيدة السلف في أحاديث الشفاعة غير مؤمن بها بل هو حدادي تكفيري!".انتهى كلام الجهني.

أقول:

قوله: "وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الاحتجاج بأحاديث الشفاعة على ما يقرره الشيخ ربيع المدخلي من ثلاثة وجوه، كافية لطالب الحق".

أقول:

1-قولك عن شيخ الإسلام: "وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الاحتجاج بأحاديث الشفاعة على ما يقرره الشيخ ربيع" تعبير سيء يدل على الاستخفاف بأحاديث الشفاعة التي يسلم بها ويحتج بها أهل السنة، وستأتي هذه الاحتجاجات الكثيرة من شيخ الإسلام وأعلام السنة بأحاديث الشفاعة التي تغيظ الخوارج ومن سار على نهجهم.

وحاشا شيخ الإسلام رحمه الله أن يبطل شيئًا من أحاديث الشفاعة، بل هو يؤمن بها إيمانًا مطلقًا، ويسلم بها، وهذه الأقوال الثلاثة قالها حينما كان يرى كفر تارك الصلاة، ثم صار يقرر أحاديث الشفاعة كرات ومرات على أقوى الوجوه وأفضلها.

هذا ويمكن توجيه كلامه هذا على وجه لا ينافي شيئًا من أحاديث الشفاعة كما سيأتي.

2-انظر حديث أبي سعيد في الصحيحين وفيه بعد ذكر عجز المنافقين عن السجود ذكر هذه الشفاعات التي لم يذكرها شيخ الإسلام في هذا المقام([7])، وهي ثلاث شفاعات للمؤمنين في المذنبين من أهل الإيمان على اختلاف أصنافهم من المصلين وغيرهم.

والشفاعة الثالثة فيمن في قلوبهم مثقال ذرة من إيمان.

ثم في المرحلة الرابعة يقول الله الجبار: بقيت شفاعتي. فيقبض قبضة من النار يخرج أقوامًا قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة... إلى آخر الحديث.

فشيخ الإسلام حاشاه أن يتعمد إخفاء هذه الشفاعات التي وردت بعد بيان حال المنافقين ومصيرهم فلا يبعد أنه حين كتابة هذا النص قد غابت عنه هذه الشفاعات، وجلَّ من لا ينسى.

لاسيما وشيخ الإسلام من أقوى الناس إيمانًا بأحاديث الشفاعة.

3-قول شيخ الإسلام: "فإذا كان هذا حال من سجد رياء فكيف حال من لم يسجد قط؟!".

يحتمل أنه يقصد صنفًا من المنافقين أجرأ على الكفر من المنافقين الذين يتظاهرون خوفا بالصلاة، ولا يقصد إسقاط الشفاعات المتقدمة بعد ذكر المنافقين في هذا الحديث حاشاه ثم حاشاه أن يقصد ذلك.

وقال الجهني حاكيًا عن شيخ الإسلام:

"2- وثبت أيضاً في الصحيح: (أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا موضع السجود فإن الله حرم على النار أن تأكله)، فعُلم أن من لم يكن يسجد لله تأكله النار كله".

أقول:

ورد في الصحيح في حديث أبي سعيد: (فيخرج أي: الله- أقوامًا قد امتحشوا أي: قد احترقوا- حتى صاروا كالفحم)، فهذا الصنف تنالهم الشفاعة بعد أن يحترقوا.

فلا يبعد أن شيخ الإسلام يريد هذا الصنف الذين هم آخر  المذنبين خروجًا من النار.

ولو سلمنا جدلًا أن أحدًا من العلماء يخالف أحاديث الشفاعة أو شيئًا منها فإنه لا يجوز متابعته كائنًا من كان.

والله يقول: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء: 59].

ويقول الله: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 65].

فأنا من أهل السنة الذين يحكمون رسول الله في كل أحكامه وأحواله بما في ذلك أحاديث  الشفاعة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

وهذا بخلاف أهل الأهواء ومنهم الخوارج وأتباعهم الحدادية.

وقال الإمام الشافعي رحمه الله: "أجمع المسلمون على أن من استبانت له السنة لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس".

وقال الإمام أحمد رحمه الله: "عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى قول سفيان والله يقول: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إن ترك بعض أمره صلى الله عليه وسلم أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".

وقال الإمام مالك رحمه الله: "كلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر". يعني النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال ابن القيم رحمه الله في الرسالة التبوكية (ص51):

"متابعة رسوله وترك أقوال غيره، وترك ما خالف ما جاء به والإعراض عنه وعدم الاعتناء به وتجريد متابعته تجريدًا محضًا بريئًا من شوائب الالتفات إلى غيره، فضلا عن الشركة بينه وبين غيره، فضلا عن تقديم قول غيره عليه".

فالحدادية يخالفون الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وإجماع المسلمين، ويخالفون ما يقرره العلماء من تقديم أقوال الرسول ﷺ على أقوال من يخالفه كائنًا من كان.

فكفى بذلك ضلالًا وشرًّا.

قال الجهني ناقلًا عن شيخ الإسلام قوله:

"3- وكذلك ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أمته يوم القيامة (غُرًّا محجلين من آثار الوضوء) فدلَّ على أن لم يكن غرًّا مُحجلاً لم يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون من أمته. [(مجموع الفتاوى) (612/7)]".

أقول:

هذا القول من شيخ الإسلام -والله أعلم- صدر منه في الزمن الذي كان يرى فيه كفر تارك الصلاة، وله أقوال عديدة في الاستسلام لأحاديث الشفاعة التي تدل على شفاعات عديدة في أقوام بعد الشفاعة في المصلين، ومن آخرهم يخرج من النار بالشفاعة من في قلوبهم أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من الإيمان، ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين في قوم لم يعملوا خيرًا قط.

وللجمع بين هذه الأحاديث التي احتج بها شيخ الإسلام في وقت ما أن يقال: إن الغر المحجلين الذين يشربون من الحوض هم أفضل هذه الأمة، كالصحابة ومن تبعهم بإحسان من هذه الأمة.

وأما المذنبون من أهل الكبائر وتاركي الصلاة وغيرها من الأعمال فلا يشربون من الحوض؛ فإنهم يدخلون النار أولًا فيعذبون فيها العذاب الشديد، ثم يخرجون منها بالشفاعات من الملائكة والنبيين والمؤمنين، فهؤلاء والله أعلم- لا يشربون من الحوض، ثم بعد الشفاعة يدخلون الجنة.

وأحاديث الشفاعة واضحة جدًّا يجب الإيمان بما دلت عليه من الشفاعات.

وشيخ الإسلام الذي يتمسح به هذا الحدادي من أقوى الناس إيمانًا بأحاديث الشفاعة التي تدل على أنه يخرج من النار من عنده أدنى من مثقال ذرة من إيمان.

وقال الجهني: "أما الشيخ ربيع هدانا الله وإياه- فيتبنَّى فَهماً خاصّاً به، موافقاً لفهم (المرجئة) ثم يزعم أن هذا هو فهم العلماء، كما فعل في أحاديث الشفاعة، فقد جعل ثُلة من الأئمة قائلين بقوله في الاحتجاج بأحاديث الشفاعة في نجاة تارك الأعمال، وجعل منهم شيخ الإسلام ابن تيمية!".

أقول:

إن من الفجور في الخصومة ومنه القول بأن ربيعًا له فهم خاص موافق لقول المرجئة؛ فالمرجئة على اختلاف أصنافهم يعتقدون أن الإيمان لا يزيد لا ينقص، ومن هنا لا يؤمنون بما دلت عليه أحاديث الشفاعة التي تدل على أن الإيمان، ينقص وينقص حتى لا يبقى منه إلا مثقال ذرة كما يصادم فهمهم للإيمان آيات كثيرة من القرآن.

وربيع موافق مائة في المائة لإيمان أهل السنة بأحاديث الشفاعة لم يخالفهم من قريب ولا من بعيد، والقول بأني خالفتهم في فهم أحاديث الشفاعة من أشد أنواع الكذب، لكن لما دان هذا الرجل بمذهب الخوارج صارت له مواقف مخزية من أحاديث الشفاعة فهي عنده من الأقوال المتشابهة يعيد هذا القول ويبديه، وهذا من أوضح الأدلة على استخفاف هذا الحدادي بأحاديث الشفاعة وعلى مخالفته الجريئة لأهل السنة الذين يسلمون بدلالاتها تسليمًا مطلقًا.

وقال الجهني الحدادي: "قال الشيخ ربيع: وقل مثل ذلك في شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه قد يرى كفر تارك الصلاة، لكنه إذا وقف أمام أحاديث الشفاعة استسلم لها وصدع بمضمونها. انتهى".

أقول:

إن كلامي هذا عن شيخ الإسلام حق وصدق وهو اللائق به، والقول بخلافه عن شيخ الإسلام دونه خرط القتاد ويحط من مكانة هذا الإمام.

فهات قوله أو أقواله في معارضة أحاديث الشفاعة إذا وقف أمامها.

أما أنا فلم أجد منه إلا الاستسلام المطلق لأحاديث الشفاعة، حتى إنه ليسلم بكل مراحل الشفاعة بما فيها الشفاعة في إخراج من في قلبه أدنى من مثقال ذرة من إيمان، وهذا يدل على تغيير رأيه في تكفير تارك الصلاة دلالة واضحة لا يجادل فيها إلا معارض لأحاديث الشفاعة، مسفسط في هذه المعارضة.

قال الجهني بعد كلامه الباطل الذي أسلفناه: "ثم نقل كلاماً لشيخ الإسلام ليس فيه حجة له إلَّا على طريقته في اتباع المتشابه".

أقول:

لماذا لم تنقل كلام شيخ الإسلام الذي نقله عنه ربيع بالحرف؟!

ألا يدل تهربك من نقله على أن كلام شيخ الإسلام هذا يدينك؛ لأن فيه استسلامًا مطلقًا من شيخ الإسلام لأحاديث الشفاعة كما قال عنه ربيع؟

وشيخ الإسلام وأهل السنة لا يرون أن أحاديث الشفاعة من المتشابه حاشاهم من هذا الضلال، بل يرونها من المحكمات في غاية الإحكام.

فأهل السنة في واد وأنت وحزبك في واد آخر بعيد عنهم بُعدًا سحيقًا بعد ما بين المشرق والمغرب.

وقال الجهني: "وقد تقدم قريباً كلام شيخ الإسلام الواضح الصريح في الرد على استدلالات الشيخ ربيع".

أقول:

إن كلام شيخ الإسلام عن أحاديث الشفاعة ليس فيه إلا الاستسلام الواضح الصريح في مقالات عديدة لما دلت عليه هذه الأحاديث وليس فيه أي رد لاستدلال ربيع.

وقال الجهني الحدادي: "والمقصود أن كل العلماء استسلموا عنده لهذا الفهم الذي يفهمه هو، ثم يجعله احتجاجاً واستسلاماً لأحاديث الشفاعة، ومن لا يتفق معه على هذا الفهم لم يؤمن عنده بأحاديث الشفاعة! ولهذا شنَّع على طلاب العلم الذين ردوا عليه فهمه لأحاديث الشفاعة، ذاك الفهم الذي وافق فيه المرجئة، بأنهم لم يؤمنوا بأحاديث الشفاعة، وكتب فيها هذه المقالة: (أحاديث الشفاعة الصحيحة تدمغ الخوارج والحدادية القطبية)، فما أعسرها هذه المسالك التي يسلكها الشيخ ربيع المدخلي فيجعل من يعتقد عقيدة السلف في أحاديث الشفاعة غير مؤمن بها بل هو حدادي تكفيري!".انتهى كلام الجهني.

أقول:

نعم، إن كل علماء السنة وعلى رأسهم الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان سلموا بما دلت عليه أحاديث الشفاعة بكل مراحلها حتى إنهم سلموا بأنه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من إيمان، رغم أنوف الخوارج السابقين واللاحقين ومنهم الحدادية، ومنهم هذا الجهني الحدادي.

وقول الجهني: "إن فهم ربيع وافق فهم المرجئة" من الكذب الواضح، ونقول له:

هات فهم المرجئة المنطلق من أحاديث الشفاعة والتي فيها الدلالة على أنه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من إيمان؛ فإن عجزت عن ذلك عرف الناس أنك تفتري على ربيع وتقوله ما لم يقل، وأنك تختلق للمرجئة مذهبًا لا يعتقدونه بل هم ضده وضد أهل السنة.

فربيع والحمد لله موافق لفهم أهل السنة ومنهجهم وعقيدتهم حذو القذة بالقذة، وأنت وحزبك الحدادي على طريق الخوارج في مواقفهم من أحاديث الشفاعة، بل تزيدون عليهم بتشويهها والتهويش والإرجاف عليها على امتداد سنوات وسنوات، بل لكم أصول باطلة زدتموها على أصول الخوارج.

وقول الجهني: "فما أعسرها هذه المسالك التي يسلكها الشيخ ربيع المدخلي فيجعل من يعتقد عقيدة السلف في أحاديث الشفاعة غير مؤمن بها بل هو حدادي تكفيري!".

وأقول:

إن كلامك هذا لمن أبطل الباطل؛ وذلك أن الحدادية من أشد أهل الأهواء حربًا لأحاديث الشفاعة ويقولون: إنها من المتشابه.

وأنت منهم، وقد رددتَها بحديث مختصر اختصره بعض الرواة.

ولك ولهم أراجيف كثيرة ضد أحاديث الشفاعة، ولقد مرت عليهم سنوات وهم يرجفون بهذه الأباطيل في شبكة الأثري وفي شبكة الآفاق.

فكيف يدعي هذا المبطل له ولهذا النوع من حزبه أنهم يعتقدون عقيدة السلف في أحاديث الشفاعة؟

وكيف يلام من يرد هذه الضلالات والأباطيل؟

تالله لا يلومه إلا مبطل.

إن مواقف الحدادية من أحاديث الشفاعة وغيرها لمضادة لمواقف أئمة السنة والسلف الصالح رحمهم الله، وقد رددنا عليهم ولاسيما عبد الحميد الجهني في مقالات سابقة أوردنا بعضًا منها في مقال: [عبد الحميد الجهني يقول: إن أحاديث الشفاعة عامة ومن المتشابه نعوذ بالله من الجهل والهوى].

هذا وللحدادية أصول باطلة تنطوي على رمي أهل السنة السابقين واللاحقين بالإرجاء.

ومنها - أن الذين لا يُكفرون تارك الصلاة في نظرهم من المرجئة، وهذا حكم على جمهور أهل السنة بالإرجاء.

ومنها- أصلهم أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وينقص حتى لا يبقى منه شيء، والذي لا يقول: "وينقص حتى لا يبقى منه شيء" هو من المرجئة.

 وهذا القول الفاجر يقتضي رمي أهل السنة السابقين واللاحقين الذين يقولون: "الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" ، ولا يزيدون ما يشترطه الحدادية "حتى لا يبقى منه شيء"، يقتضي رميهم بالإرجاء.

ومنها- عدم تسليمهم بأحاديث الشفاعة، واعتقادهم أنها من المتشابه، ورمي من يسلم بها بالإرجاء.

ومنها- رميهم بالإرجاء من يقول: "الإيمان أصل والعمل كمال".

 وهو قول أهل السنة انطلاقاً من الكتاب والسنة، فهم في حكم الحدادية مرجئة.

وبعض هذه الأصول يدينهم بحرب أهل السنة السابقين واللاحقين، والطعن فيهم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

                                                                                      كتبه: ربيع بن هادي العمير

                                                                                               3/7/1437هـ

 

 

 



([1]) كذا، وفي البخاري: (أول منك).

[2] - لعل "أو" هنا بمعنى الواو.

([3]) في الصحيحين: دينار.

([4]) أي: محترقين.

([5]) هذه الأحاديث والعناوين تبطل هذا التفسير.

([6]) وقد بينا مراده من هذا الكلام فيما سلف.

([7]) انظر حديث رقم (7439) من صحيح البخاري ، وقد اقتصر شيخ الإسلام رحمه الله هنا على جزء منه.

   


مراجع مراجع





© موقع الشيخ ربيع المدخلي 2019 جميع الحقوق محفوظة.
  برمجة وتصميم طريق التطوير