الرئيسية الرئيسية » المقالات» مقالات » أحاديث الشفاعة محكمة وليست من المتشابه كما يقول ذلك الخوارج الجدد؛ فيجب التسليم بها واعتقاد ما دلت عليه.

أحاديث الشفاعة محكمة وليست من المتشابه كما يقول ذلك الخوارج الجدد؛ فيجب التسليم بها واعتقاد ما دلت عليه.


عدد الزيارات عدد الزيارات : 4415     عدد مرات التحميل عدد مرات التحميل : 1731

 



بسم الله الرحمن الرحيم

 

أحاديث الشفاعة محكمة وليست من المتشابه كما يقول ذلك الخوارج الجدد؛ فيجب التسليم بها واعتقاد ما دلت عليه

 




 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.

 

أما بعد:

 

فمن ميزات المسلم الصادق الواعي الإيمان الصحيح الصادق بنصوص الكتاب والسنة والانقياد لها والابتعاد عن الانحراف عنها وعن تحريفها أو رد شيء منها .

 

تلك الأمور الخطيرة التي يسلكها أهل الأهواء؛ سواء غلاتهم أو أهل الجفاء منهم،  ومن هذين الصنفين من يتمسح بالسلفية ويدّعي أنه من أهل الحديث، وهم من أبعد الناس عن منهج السلف وأهل الحديث، بل هم من أشد الناس خصومة وحرباً على أهل السنة السلفيين .

 

ومنهم الطائفة الحدادية القطبية التي انطلقت في حربها لأهل الحديث والسنة بالإرجاء من منهج محمود الحداد القطبي المتستر ومن منهج محمد قطب وتلميذه سفر الحوالي .

 

 محمد قطب يرمي المجتمعات الإسلامية السابقين منهم واللاحقين بالإرجاء، ويدّعي أن الإرجاء شر من العلمانية.

 

واخترع تلميذه سفر الحوالي لتقوية هذا المنهج أصلاً خطيراً سماه جنس العمل.

 

  فرفع راية ذلك المنهج الخطير، وهذا الأصل الباطل لحرب أهل السنة والتوحيد الطائفة الحدادية القطبية التي جعلت حرب أهل السنة والتوحيد شغلها الشاغل، مع إضافة أصول أخرى إلى ما سلف ذكره، ومنها التقية خداعاً منهم ومكراً ليخفوا أمرهم وكيدهم على كثير من الناس وحتى على بعض العلماء الذين تتظاهر هذه الطائفة أمامهم بالتمسك بالمنهج السلفي والغيرة عليه، في حين أنها من أشد أهل الأهواء حرباً عليه وعلى أهله وتشويهاً لهذا المنهج وأهله، وواقعهم ومواقعهم تشهد بذلك.

 

 والحاصل أن أمرهم خطير وشرهم مستطير.

 

 وقد بيّنا عدداً من أصولهم الهدامة وانحرافاتهم الخطيرة.

 

 ومنها: سلوكهم مسلك الخوارج في عدم أخذهم بأحاديث الشفاعة ومخالفة أهل السنة والحديث في الإيمان بها واحترامها والأخذ الكامل بمضامينها ودلالاتها والانقياد لها؛ لأنها صادرة من رسول الهدى صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، وقد سردتها لهم في بعض ردودي على بعض مقالاتهم التي خالفوا فيها هذه الأحاديث الشريفة، وخالفوا منهج السلف في التسليم بها، فلم يرفعوا بذلك رأساً، وما زادوا إلا عتواً ومضياً في منهجهم القطبي الخارجي.

 

 ومن هذه الأحاديث: حديث أنس وحديث أبي سعيد رضي الله عنهما.

 

قال ابن القيم رحمه الله في كتابه [حادي الأرواح] (ص272-273) في الكلام على حديث أبي سعيد رضي الله عنه في الشفاعة:

 

 "الوجه العشرون انه قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري في حديث الشفاعة فيقول عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما، فيلقيها في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه و لا خير قدموه، فهؤلاء أحرقتهم النار جميعهم فلم يبق في بدن أحدهم موضع لم تمسه النار بحيث صاروا حمما وهو الفحم المحترق بالنار وظاهر السياق أنه لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير، فإن لفظ الحديث هكذا فيقول: "ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا فيقول الله عز و جل: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض الله قبضة من نار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط"، فهذا السياق يدل على أن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير ومع هذا فأخرجتهم الرحمة.([1])

 

 ومن هذا رحمته سبحانه وتعالى للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار ويذروه في البر والبحر زعما منه بأنه يفوت الله سبحانه وتعالى فهذا قد شك في المعاد والقدرة ولم يعمل خيرا قط ومع هذا فقال له ما حملك على ما صنعت؟ قال خشيتك وأنت تعلم فما تلافاه أن رحمه الله، فلله سبحانه وتعالى في خلقه حكم لا تبلغه([2]) عقول البشر وقد ثبت في حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله قال: (يقول الله عز و جل أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام)".

 

 1- الإمام ابن القيم بنى حكمه هنا على حديث أبي سعيد وأيده بحديث هذا الرجل الذي لم يعمل خيراً قط، وأمر أولاده أن يحرقوه...الحديث.

 

 ولا شك أنه يؤمن بأحاديث الشفاعة الأخرى والأحاديث الواردة في فضل لا إله إلا الله وفضل التوحيد.

 

 والذي نعرفه عن ابن القيم أنه كان يرى كفر تارك الصلاة.

 

 لكنه لما وقف أمام حديث أبي سعيد في الشفاعة وما تلاه لم يسعه إلا الاستسلام لها والصدع بمضمونها.

 

حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- في الشفاعة.

 

 ومنه يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "... فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن يلهمنيه الله ثم أخر له ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع فأقول رب أمتي أمتي فيقال انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع فأقول أمتي أمتي فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل.

 

 

 

قال معبد بن هلال العنـزي الراوي عن أنس –رضي الله عنه-:

 

 هذا حديث أنس الذي أنبأنا به فخرجنا من عنده فلما كنا بظهر الجبان قلنا لو ملنا إلى الحسن فسلمنا عليه وهو مستخف في دار أبي خليفة قال فدخلنا عليه فسلمنا عليه فقلنا يا أبا سعيد جئنا من عند أخيك أبي حمزة فلم نسمع مثل حديث حدثناه في الشفاعة قال هيه فحدثناه الحديث فقال هيه قلنا ما زادنا قال قد حدثنا به منذ عشرين سنة وهو يومئذ جميع ولقد ترك شيئا ما أدري أنسي الشيخ أو كره أن يحدثكم فتتكلوا قلنا له حدثنا فضحك وقال: (خلق الإنسان من عجل). ما ذكرت لكم هذا إلا وأنا أريد أن أحدثكموه.

 

 "ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال ليس ذاك لك أو قال ليس ذاك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله".[3]

 

 وهؤلاء الأئمة الذين رووا هذا الحديث –حديث أنس- وحديث أبي سعيد رضي الله عنهما يؤمنون بما تضمّنه هذان الحديثان من الشفاعات في الأصناف المذكورة، وقبلهم الصحابة والتابعون الذين بلغهم هذان الحديثان وغيرهما من أحاديث الشفاعة، فما هو رأي الفرقة الحدادية فيهم؟

 

 فحديث أنس -رضي الله عنه- يفيد أن الشفاعة تتناول أصنافاً:

 

 الصنف الأول: من كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان.

 

 الثاني: من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.

 

 الثالث: من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان.

 

 الرابع: صنف يشفع فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهم من قال: "لا إله إلا الله"، فيقول الله له: " ليس ذاك لك ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله ".

 

 فهذه الأصناف من أمة محمد أدخلوا النار بذنوبهم، وأخرجهم الله من النار بشفاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبما في قلوبهم من الإيمان.

 

 والصنف الأخير: أخرجوا بعزة الله وكبريائه وعظمته وجبريائه ورحمته، وذلك بسبب توحيدهم وإيمانهم، وإن كان في نهاية الضعف.

 

 فهذان الحديثان يجمعان بين الترهيب والترغيب؛ الترهيب من الذنوب والعقوبة الشديدة عليها ليرتدع المسلمون عن الذنوب، والترغيب في الإيمان والتوحيد ليكونوا من أهله.

 

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره عند قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا}:

 

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا}، قَالَ: وُرُودُ الْمُسْلِمِينَ الْمُرُورُ عَلَى الْجِسْرِ بَيْنَ ظَهْرَيْهَا، وَوُرُودُ الْمُشْرِكِينَ: أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الزَّالُّونَ وَالزَّالَّاتُ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَقَدْ أَحَاطَ بِالْجِسْرِ يَوْمَئِذٍ سِمَاطان مِنَ الْمَلَائِكَةِ، دُعَاؤُهُمْ: يَا أَللَّهُ سَلِّمْ سَلِّمْ".

 

وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} قَالَ: قَسَمًا وَاجِبًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: [حَتْمًا]، قَالَ: قَضَاءً. وَكَذَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ.

 

وَقَوْلُهُ: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} أَيْ: إِذَا مَرَّ الْخَلَائِقُ كُلُّهُمْ عَلَى النَّارِ، وَسَقَطَ فِيهَا مَنْ سَقَطَ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْعُصَاةِ ذَوِي الْمَعَاصِي، بِحَسَبِهِمْ، نَجَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ مِنْهَا بِحَسْبِ أَعْمَالِهِمْ. فَجَوَازُهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ وَسُرْعَتُهُمْ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ يُشَفَّعُونَ فِي أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَشْفَعُ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَكَلَتْهُمُ النَّارُ، إِلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ -وَهِيَ مَوَاضِعُ السُّجُودِ-وَإِخْرَاجُهُمْ إِيَّاهُمْ مِنَ النَّارِ بِحَسْبِ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ، فَيُخْرِجُونَ أَوَّلًا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، [ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ] حَتَّى يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ ، ثُمَّ يُخْرِجُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، وَلَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ كَمَا وَرَدَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا).

 

وختامًا:

 

فالحداديون لا يعترفون بما دلت عليه أحاديث الشفاعة الثابتة ثبوت الجبال، من تعدد  الشفاعات، وتعدد الشافعين من الأنبياء والمرسلين، ومنهم سيد الشفعاء وخاتم النبيين، وكثير من المؤمنين الصادقين.

 

ولا يعترفون بأصناف المشفوع فيهم من عصاة الموحدين.

 

 

 

كتبه

 

ربيع بن هادي المدخلي

 

21 ذو القعدة 1437هـ

 



([1]) من عجائب ومنكرات عبد الحميد الجهني الحدادي أنه لا يعترف إلا بشفاعة الملائكة في المصلين فقط، ويرى أن أحاديث الشفاعة ما عدا هذا من المتشابه.

([2]) والصواب: "لا تبلغها".

([3]) رواه البخاري في "التوحيد" حديث (7510)، ومسلم في كتاب الإيمان حديث (193/326)، وأحمد في "مسنده" (3/116)، وأبو عوانة (1/183-184)، وابن منده (ص820-822)، والضياء في "المختارة" (2345)، وابن خزيمة في "التوحيد" (2/710-711).

 

   


مراجع مراجع





© موقع الشيخ ربيع المدخلي 2019 جميع الحقوق محفوظة.
  برمجة وتصميم طريق التطوير