الرئيسية الرئيسية » المقالات» مقالات » وضوح البرهان يدمغ مخالفات عادل آل حمدان - الحلقة الأولى

وضوح البرهان يدمغ مخالفات عادل آل حمدان - الحلقة الأولى


عدد الزيارات عدد الزيارات : 8726     عدد مرات التحميل عدد مرات التحميل : 1692

 

 

وضوح البرهان يدمغ مخالفات عادل آل حمدان

( الحلقة الأولى )

  


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.

أما بعد:

فقد وقفتُ على حديث أورده أبو محمد الدشتي في كتابه إثبات الحد لله من (ص145-150) من طرق مدارها على أبي إسحاق السبيعي عن عبد الله بن خليفة عن عمر بن الخطاب .

ساق إسناده الأول إلى محمد بن أحمد بن خالد القاضي، ثنا سعيد بن محمد ثنا سلم بن قتيبة ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر بن الخطاب  عن النبي ﷺ في قوله عز وجل : ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [سورة طه:5].

قال: حتى يسمع أطيط كأطيط الرحل".

ثم قال الدشتي: "حديث صحيح، رواته على شرط البخاري ومسلم".

أقول: قول أبي محمد الدشتي: "حديث صحيح، رواته على شرط البخاري ومسلم". غير صحيح.

لأن في إسناده عبد الله بن خليفة ليس على شرط البخاري ومسلم، ولم يرو له أحد منهما، بل لم يرو له من أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، روى له في التفسير لا في السنن، ولعله لم يرو له إلا هذا الحديث.

وسلم بن قتيبة لم يرو له مسلم شيئًا.

والبخاري لم يرو له إلا ثلاثة أحاديث، كما قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري (ص427) في حرف السين.

أقول: ولعل البخاري لم يرو له إلا في المتابعات.

وروى له الأربعة.

وأقول: علّق عادل بن عبد الله آل حمدان على هذا الحديث بالإسناد المذكور بقوله في حاشية (ص146):

"أخرجه الضياء في "المختارة" (154)، والخطيب (1/295) كلاهما من طريق محمد بن مظفر في "غرائب شعبة"، وأخرجه من طريق شعبة موقوفاً: ابن ماجه في "التفسير" ذكر ذلك المزي في "تهذيب الكمال" (14/456).

والتصحيح المذكور هو للضياء، وليس في نشرة "المختارة".

وعبد الله لم يرو له الشيخان، وسلم لم يرو له مسلم.

وروى الخطيب، عن البرقاني، عن الدارقطني: (تفرد به القاضي).

قال البرقاني: وهم القاضي، وحديث سلم هو عن إسرائيل لا عن شعبة، وحديث شعبة موقوف.

وفي السند اختلاف كثير بين الرفع والوقف والإرسال، وفي حال تابعيه.

والصواب أنه حديث محتج به على كل حال، وقد رواه شعبة وعبد الرحمن ابن مهدي كما رأيت، وسيأتي".

أقول: كيف يصح قول عادل: "والصواب أنه حديث محتج به على كل حال" إذا كان في سنده اختلاف كثير بين الرفع والوقف والإرسال، فهذا الاختلاف لو وقع في روايات أحد الثقات لحكم باضطرابه وشدة ضعفه، فكيف وهذا الحديث مداره على عبد الله بن خليفة المجهول الحال، والذي انفرد بتوثيقه ابن حبان، وتوثيقه لا يعتد به أئمة الحديث؛ لأنه يوثق المجهولين، وهذا الذهبي يقول في ابن خليفة هذا: لا يكاد يعرف.

وفيه أبو إسحاق السبيعي شديد التدليس، وسيأتي زيادة بيان حول هذين الرجلين.

ومع هذا كله فليس في هذا الأثر على ضعفه ذِكر للجلوس على العرش ولا للقعود؛ فسقط تعلق عادل به.

قال الدشتي  في إثبات الحد (ص146-150):

"33- وأخبرنا أبو عبدالله المقدسي، أنبا أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر بن أبي الفتح بأصبهان-.

 وأخبرنا يوسف بن خليل الدمشقي، أنبا أبو عبدالله بن أبي زيد الكراني بأصبهان- قالا: إن أبا منصور محمود بن إسماعيل الصيرفي أخبرهم، قال أبو جعفر -قراءة عليه وهو حاضر-: أنبا أبو الحسن أحمد بن محمد بن فاذشاه، قال: ثنا أبو القاسم الطبراني قال: ثنا محمد بن عبدالله الحضرمي، ثنا عبدالله ابن أبي زياد القطواني، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن خليفة، عن عمر  قال: أتت امرأةٌ النبيَّ ﷺ فقالت: ادعُ الله أن يدخلني الجنة.

فَعَظَّمَ الرَّبَّ -عَزَّ وَجَلَّ- ثم قال: «إنَّ كُرْسِيَّهُ وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وإنه يَقْعُدُ عليه، ما يفضل منه مقدار أربع أصابع».

ثم قال بأصابعه فجمعها، «وإن له أطيطاً كأطيط الرَّحْلِ الجديد إذا رُكِبَ من ثقله».

هذا حديث صحيح رواته على شرط البخاري ومسلم.

34- وأخبرنا أبو عبدالله، أنبا أبو مسلم المؤيد بن الإخوة بأصبهان-، أنبا الحسين بن عبد الملك الخلال، أنبا إبراهيم بن منصور، أنبا محمد بن إبراهيم بن علي، أنبا أحمد بن علي بن المثنى، ثنا زهير، ثنا يحي بن أبي بكير، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن خليفة، عن عمر بن الخطاب  قال: أتت امرأة إلي النبي ﷺ فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة. قال: فعظّم الرب -تبارك وتعالى-، وقال: «إن كرسيه وسع السموات والأرض، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله».

35- وأخبرنا أبو عبد الله، أنبا أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر بن أبي الفتح -بقراءتي عليه بأصبهان- قلت له: أخبركم محمود بن إسماعيل الصيرفي -قراءة عليه وأنا حاضر-، أنبا محمد بن عبدالله بن شاذان، أنبا عبدالله بن محمد القبَّاب، أنبا أحمد بن عمرو ابن أبي عاصم،  ثنا إسماعيل بن سالم الصايغ، ثنا يحيى بن أبي بكير، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن خليفة، عن عمر : أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة. فعظّم الرب -سبحانه وتعالى-، وقال: «إن عرشه فوق سبع سموات، وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد إذا رُكِبَ من ثقله».

36- وأخبرنا يوسف بن خليل، أنبا أبو منصور، أنبا أبو الحسن، أنبا أبو القاسم، أنبانا أبو عبدالله بن بطة، حدثنا أبو بكر بن سلمان، ثنا محمد بن عبدالله الحضرمي، ثنا عبدالله بن الحكم، وعثمان قالا: ثنا يحيى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ابن خليفة، عن عمر  قال: أتت امرأة النبي ﷺ فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة. فعظّم الرب، وقال: «إن كرسيه فوق السموات والأرض، وإنَّهُ يقعد عليه، فما يفضل منه مقدار أربع أصابع، -ثم قال بأصابعه يجمعها-، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا رُكِبَ».([1])

 هذا حديث صحيح؛ رواته على شرط البخاري ومسلم.

فهو كما قال رسول الله ﷺ، ومعناه على ما يليق به، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا.

وقد أخرج هذا الحديث عامة العلماء من أئمة المسلمين في كتبهم التي قصدوا فيها نقل الأخبار الصحيحة، وتكلموا على تَوثِقَةِ رجاله، وتصحيح طريقه.

وممن رواه: الإمام أحمد بن حنبل، وأبو بكر الخلال، وصاحبه أبو بكر عبدالعزيز، وأبو عبدالله بن بطة.

وقد رواه أبو محمد الخلال في كتاب الصفات له.

ورواه أبو الحسن الدارقطني([2])في كتاب الصفات الذي جمعه، وضبط طرقه، وحفظ عدالة رواته، وكان الدارقطني من أصحاب الحديث، من أصحاب الشافعي.

وأخرجه أبو الحسن بن الزاغوني في كتاب له.

37- وقال في بعض مصنفاته: "وقد أوردته في غير هذا الكتاب على وجهٍ لا سبيل إلى دفعه ورده إلا بطريق العناد، ولا طُعِنَ في صحته إلا بطريق المكابرة".
وقد أخرجه شيخنا أبو عبدالله المقدسي في كتاب المسند الصحيح.

 ورواه غيرهم من الأئمة والحفاظ".

أقول: تكلّم عادل في (ص151-152) على الاختلاف في رفع هذا الحديث ووقفه وإرساله في كلام كثير، وبما لا يفيد الحديث شيئاً، فكثرة الاختلافات عند أولي النهى وأهل الحديث من أقوى الأدلة وأوضحها على شدة ضعف الحديث الذي هذا حاله وواقعه، هذا إذا كان الحديث عن ثقة، فكيف إذا كان مدار الحديث على مجهول الحال يرويه عنه مدلس شديد التدليس؟

 فلو رواه عشرات العلماء وهذا حاله لا تخرجه رواياتهم عن دائرة الضعف والنكارة.

وفي (ص153) تكلم على ألفاظ الحديث مثل "الأطيط" و"القعود" ومن أثبتها، وذكر عدداً ممن يرى أنهم أثبوتها، ولو قال : "رووها" بدل "أثبتوها" لكان أقرب إلى الصواب.

والحق أنه لو رواها عشرات العلماء ومدارها على مجهول الحال ومدلس فلا يخرجه هؤلاء الرواة عن دائرة الضعف والنكارة.

 هذا الذي أقوله منبثق عن منهج السلف الذي يسلم به من روى هذا الحديث، ومن انتقده وبيّن ضعفه.

ومنهج عادل يقتضي إهمال قواعد السلف وأصولهم التي وضعوها للحفاظ على أحاديث سيد البشر الصادق المصدوق وحمايتها من روايات الكذابين والمتروكين والضعفاء والمجهولين، والتمييز بينها وبين روايات الأمناء العدول الصادقين.

 ويقتضي إهدار جهود السلف في بيان الأحاديث الضعيفة والمعلّة التي ألّفوا في بيانها المؤلفات.

ويقتضي عدم الالتفات إلى جهود الأئمة في بيان أصناف المجروحين، وتأليفهم في ذلك المؤلفات.

ومعلوم بعد هذا أن بعض السلف يتساهل في رواية الأحاديث الضعيفة في الأحكام والزهد، وقد أنكر الإمام أحمد وغيره على هؤلاء المتساهلين، ويقرأ هذه المؤلفات الكثير من أهل العلم وغيرهم، فلا نعتبر قراءتهم تصحيحًا لما فيها من الأحاديث الضعيفة.

 ويتصدى لبيان ضعفها علماء آخرون بالحجج والبراهين، فلا يعارضهم إلا الجهلة وغلاة الصوفية.

قال عبد الله بن الإمام أحمد -رحمهما الله- في كتاب السنة (ص258-262) تحقيق عادل آل حمدان:

"569- سئل عما روي في الكرسي، وجلوس الرب -عز وجل- عليه؟

 رأيت أبي -رحمه الله- يصحح هذه الأحاديث: أحاديث الرؤية([3])، ويذهب إليها، وجمعها في كتاب، وحدثنا بها.

570- حدثني أبي -رحمه الله- قال: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن خليفة، عن عمر -رضي الله عنه-، قال: إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي، سُمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد.

571- حدثني أبي، ثنا وكيع بحديث: إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن خليفة، عن عمر -رضي الله عنه-، قال: "إذا جلس الرب -عز وجل- على الكرسي. فاقشعر رجل سماه أبي عند وكيع، فغضب وكيع وقال: أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث لا ينكرونها.

572- حدثني أبي، ثنا وكيع، عن سفيان، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحدٌ قدره.

573 - حدثني أبي، ثنا عبد الصمد، ثنا أبي، ثنا محمد بن جحادة، عن سلمة بن كهيل،  عن عمارة بن عمير، عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: الكرسي موضع القدمين، وله أطيط كأطيط الرحل.

 574 - حدثني أبي، ثنا رجل، ثنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك في قوله -عز وجل-: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ [سورة البقرة:255]، قال: إن الصخرة التي تحت الأرض السابعة، ومنتهى الخلق على أرجائها أربعة من الملائكة، لكل ملك منهم أربعة وجوه: وجه إنسان، ووجه أسد، ووجه نسر، ووجه ثور، فهم قيام عليها، قد أحاطوا بالأرض والسموات، ورؤوسهم تحت الكرسي، والكرسي عند العرش.

قال: وهو واضع رجليه تبارك وتعالى على الكرسي.

 575 - كتب إليَّ العباس بن عبد العظيم العنبري: كتبت إليك بخطي: ثنا إسحاق بن منصور أبو عثمان، ثنا إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ، قال: إن الكرسي الذي وسع السموات والأرض لموضع قدميه، وما يقدر قدر العرش إلا الذي خلقه، وإن السموات في خلق الرحمن -جل وعز- مثل قبة في صحراء.

 576 - حدثني أبي، ثنا ابن مهدي، وأبو سفيان يعني: المعمري- عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: ما السموات والأرض في الكرسي إلا كحلقة في أرض فلاة.

 577 - حدثني أبي، ثنا نوح بن ميمون، قال: سمعت بكير بن معروف أبا معاذ قاضي نيسابور، عن مقاتل بن حيان، عن الضحاك في قوله -عز وجل-: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم﴾ [سورة المجادلة:7]، قال: هو على العرش وعلمه معهم.

578- كتب إليَّ عباس بن عبد العظيم العنبري، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، قال: فعظم الرب -عز وجل- وقال: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾، إنه ليقعد عليه -جل وعز-، فما يفضل منه إلا قيد أربع أصابع، وإن له لأطيطاً كأطيط الرحل إذا رُكِب".

أقول:

أولا:هذا الأثر عن عمر  ضعيف:

أ- لأن مداره على عبد الله بن خليفة.

قال فيه الحافظ الذهبي في الميزان (2/414):

"عبد الله بن خليفة [فق] الهمداني، تابعي مخضرم، له عن عمر. وعنه أبو إسحاق، ويونس بن أبي إسحاق. ذكره ابن حبان في الثقات. وأورد له ابن ماجه في تفسيره في : ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. لا يكاد يُعرف".

وقال فيه الحافظ ابن حجر: مقبول من الثانية.

وأورده ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (5/45)، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، فهو عنده مجهول.

ب- يحتمل أن يكون عبد الله بن خليفة أخذه من الإسرائيليات.

جـ- ثم كيف ينفرد به عبد الله بن خليفة -الذي لا يعرف لا بعلم ولا بغيره- عن الصحابة كعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين ممن هم ملازمون لعمر بن الخطاب.

د- الذي حمل وكيعًا على الغضب قد يكون اعتقاده في هذا الرجل أنه ممن ينكر علو الله -عزّ وجل- وغيره من صفات الله، ثم إن احتجاجه بأن الأعمش وسفيان يحدِّثون بهذه الأحاديث ليس بحجة عند أهل السنة، فهما وغيرهما ما جاؤوا فيه بإسناد صحيح قُبل، وما جاؤوا فيه بإسناد ضعيف لا يُقبل على منهج أهل السنة والجماعة، ومنهم الإمام أحمد وسفيان والأعمش ووكيع؛ لأن الرجال يحتج لهم، ولا يحتج بهم كما يقوله شيخ الإسلام ابن تيمية .

ثانيًا: أثر ابن عباس رضي الله عنهما، الأول: إسناده حسن؛ لأن فيه عمار الدهني، قال فيه الحافظ ابن حجر: صدوق يتشيع، وبقية رجال الإسناد ثقات، وقال الذهبي في الكاشف: وثق.

ثالثًا: أثر أبي موسى رجاله ثقات إلا أن عمارة لم يرو عن أبي موسى ؛ ففي إسناده انقطاع، إلا أن أثر ابن عباس يشهد لجزء منه، ألا وهو قول أبي موسى: "الكرسي موضع القدمين"، ولا يشهد لقوله: "ولهأطيط".

رابعًا: أثر أبي مالك غزوان الغفاري ضعيف؛ لأن في إسناده رجلًامجهولًا، وفيه: إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، من الأئمة من يوثقه، ومنهممن يُضعِّفه، وهو شيعي يشتم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، راجعترجمته في الميزان.

خامسًا: أثر ابن عباس رضي الله عنهما في إسناده إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، قال الحافظ الذهبي: فيه لين. وقال الحافظ ابن حجر: صدوق يهم.

وفيه إسحاق بن منصور أبو عثمان هو السلولي، وهو صدوق، تكلم فيه للتشيع، وبقية رجال هذا الإسناد ثقات.

لكن هذا الأثر على ما فيه يعتضد بأثر ابن عباس السابق.

سادسًا: أثر مجاهد فيه ليث بن أبي سليم، قال فيه الحافظ ابن حجر: صدوق، اختلط أخيرًا، ولم يتميز حديثه؛ فتُرك.

وقال الحافظ الذهبي: فيه ضعف يسير، وكان ذا صلاة وصيام وعلم كثير، وبعضهم احتج به مقرونًا.

سابعًا: أثر الضحاك فيه بكير بن معروف، قال فيه الحافظ ابن حجر: "صدوق، فيه لين".

لكن هذا التفسير من الضحاك أجمع عليه أهل السنة، فالله مستو على عرشه وعلمه في كل مكان.

وهذه الآثار عن ابن عباس، وأبي موسى، ومجاهد ليس فيها ذِكر لجلوس الرحمن على الكرسي ولا للقعود.

ثامنًا: هذا الحديث الذي نسبه عبد الله بن خليفة إلى النبي ﷺ فيه علل:

الأولى: أنه مرسل.

والثانية: هو نفسه كما قال الذهبي لا يكاد يعرف، وأورده ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (5/45) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو عنده مجهول.

والثالثة: في نظري أنه يمكن أن يكون عبد الله قد أخذه من بعض الإسرائيليين.

والرابعة: يظهر من هذه الرواية والتي سلفت ما يدل على اضطراب عبد الله بن خليفة.

فتارة يرويها عن عمر، وأخرى ينسبها إلى رسول الله ﷺ.

والخامسة: النكارة واضحة في هذه الرواية المرسلة.

إذ كيف يتصور أن يستنكر على هذه المرأة التي طلبت من رسول الله ﷺ أن يدعو الله لها ليدخلها الجنة، فهذا السؤال حق لا يستوجب الاستنكار.

كيف يستنكر رسول الله ﷺ هذا السؤال وهو يحث أمته على أن يسألوا الله الفردوس: أعلى الجنة.

قال البخاري  في صحيحه:

"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ: «وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ»"، حديث (2790).

وله شاهد من حديث عبادة بن الصامت، أخرجه الإمام أحمد في مسنده (5/316، 321)، والترمذي حديث (2531)، وابن أبي شيبة في مصنفه حديث (35074) كلهم من طريق عبادة بن الصامت .

وله شاهد من حديث معاذ بن جبل ، رواه أحمد (5/240-241)، والترمذي في جامعه برقم (2530)، وابن ماجه في سننه برقم (4331).

إلا أن في إسناده انقطاعًا؛ لأن عطاء بن يسار لم يدرك معاذًا .

وأقول: علّق عادل آل حمدان على حديث عبد الله بن خليفة السابق برقم (570) من كتاب السنة.

فقال: "3- "إثبات الحد لله تعالى" للدشتي (42) من طريق المصنف. وقد خرّجت هذا الأثر بشيء من التوسع في التعليق على كتاب "إثبات الحد لله تعالى وأنه جالس وقاعد على عرشه" للدشتي -رحمه الله-، وذكرت كلام أهل العلم في تصحيح هذا الحديث، ومن ذلك:

1- قال ابن تيمية -رحمه الله- "مجموع الفتاوى" (16/434): حديث عبد الله بن خليفة المشهور الذي يروى عن عمر -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ..أكثر أهل السنة قبلوه.اهـ

2- الذهبي قال في "العرش" (2/119): هذا حديث محفوظ من حديث أبي إسحاق السبيعي إمام الكوفيين في وقته، سمع من غير واحد من الصحابة، وأخرجا حديثه في الصحيحين، وتوفي سنة سبع وعشرين ومائة، تفرد بهذا الحديث عن عبد الله بن خليفة من قدماء التابعين، لا نعلم حاله بجرح ولا تعديل([4])؛ لكن هذا الحديث حدّث به أبو إسحاق السبيعي مقراً له كغيره من أحاديث الصفات، وحدّث به كذلك سفيان الثوري، وحدّث به أبو أحمد الزبيري، ويحيى بن أبي بكير، ووكيع، عن إسرائيل.

وأخرجه أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب "السنة"، و"الرد على الجهمية" له، عن أبيه عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان -ثم ساقه- وقال:

ورواه أيضاً عن أبيه، حدثنا وكيع بحديث إسرائيل -ثم ساقه-.

قال الذهبي: قلت: وهذا الحديث صحيح عند جماعة من المحدثين، أخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في "صحيحه"، وهو من شرط ابن حبان فلا أدري أخرّجه أم لا؟!، فإن عنده أن العدل الحافظ إذا حدّث عن رجل لم يُعرف بجرح، فإن ذلك إسناد صحيح.

فإذا كان هؤلاء الأئمة: أبو إسحاق السبيعي، والثوري، والأعمش، وإسرائيل، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو أحمد الزبيري، ووكيع، وأحمد بن حنبل، وغيرهم ممن يطول ذكرهم وعددهم الذين هم سُرُج الهدى ومصابيح الدجى، قد تلّقوا هذا الحديث بالقبول وحدّثوا به، ولم ينكروه، ولم يطعنوا في إسناده، فمن نحن حتى ننكره، ونتحذلق عليهم؟!، بل نؤمن به.

قال الإمام أحمد: لا نزيل عن ربنا صفة من صفاته، لشناعة شنِّعت وإن نَبَت عن الأسماع.

فانظر إلى وكيع بن الجراح الذي خلفَ سفيان الثوري في علمه وفضله، وكان يشبه به في سمته وهديه، كيف أنكر على ذلك الرجل، وغضب لما رآه قد تلوَّن لهذا الحديث".

وعلى عادل ملاحظات:

الأولى: على قوله: "قال ابن تيمية -رحمه الله- "مجموع الفتاوى" (16/434): حديث عبد الله بن خليفة المشهور الذي يروى عن عمر -رضي الله عنه-، عن النبي ﷺ .. أكثر أهل السنة قبلوه. اهـ".

أقول: تكلم شيخ الإسلام بكلام ينتقد فيه طائفة ممن انتسب إلى السنة في منهجهم في الاستدلال.

وانتقد طائفة أخرى تُكفِّر من يخالفها، بيّن شيخ الإسلام خطأها في الاستدلال.

سأنقل كلام شيخ الإسلام في هاتين الطائفتين بعد مناقشة عادل.

تجاهل عادل هذا النقد من شيخ الإسلام، ولم يكتفِ بهذا التجاهل، بل تجاوز ذلك إلى بتر الكلام الذي نقله عن شيخ الإسلام.

قال شيخ الإسلام  بعد الكلام الذي أشرنا إليه:

"ومن ذلك حديث عبد الله بن خليفة المشهور الذي يروى عن عمر  عن النبي ﷺ، وقد رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاره.

وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه، كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي وابن الجوزي وغيرهم، لكن أكثر أهل السنة قبلوه"، مجموع الفتاوى (16/434-435).

لماذا حذف عادل من كلام شيخ الإسلام قوله: "وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه، كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي وابن الجوزي وغيرهم".

إن الحق والصواب مع هذه الطائفة من أهل الحديث.

لأن عبد الله بن خليفة لا يكاد يعرف، ومع ذلك ففي حديثه اضطراب، ورِكّة، يُنـزّه عنها رسول الهدى ﷺ.

بل وفيه معارضة لحديث أبي هريرة وحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنهما الماضيين.

ففي حديثهما حث على سؤال الله أعلى الجنة.

وفي حديث ابن خليفة استنكار رسول الله ﷺ سؤال الجنة، وتعظيم ذلك، وحاشا رسول الله أن يعترض على أمر مطلوب ومشروع.

فكيف يحتج به من قبله وموضوعه موضوع عقيدة في الله وهذا حاله.

وهاك كلام شيخ الإسلام الذي وعدتُ بنقله.

قال  في مجموع الفتاوى (16/432- 434): "لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ تُعْرَفَ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ إسْنَادًا وَمَتْنًا، فَالْقُرْآنُ مَعْلُومٌ ثُبُوتَ أَلْفَاظِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ وُجُوهُ دَلَالَتِهِ، وَالسُّنَّةُ يَنْبَغِي مَعْرِفَةُ مَا ثَبَتَ مِنْهَا وَمَا عُلِمَ أَنَّهُ كَذِبٌ؛ فَإِنَّ طَائِفَةً مِمَّنْ انْتَسَبَ إلَى السُّنَّةِ وَعَظَّمَ السُّنَّةَ وَالشَّرْعَ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ اعْتَصَمُوا فِي هَذَا الْبَابِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ جَمَعُوا أَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِي الصِّفَاتِ مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ مَعْلُومٌ أَنَّهُ كَذِبٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ إلَى الْكَذِبِ أَقْرَبُ وَمِنْهَا مَا هُوَ إلَى الصِّحَّةِ أَقْرَبُ وَمِنْهَا مُتَرَدَّدٌ، وَجَعَلُوا تِلْكَ الْأَحَادِيثَ عَقَائِدَ وَصَنَّفُوا مُصَنَّفَاتٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُكَفِّرُ مَنْ يُخَالِفُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ، وَبِإِزَاءِ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِجِنْسِ الْحَدِيثِ وَمَنْ يَقُولُ عَنْ أَخْبَارِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهَا: هَذِهِ أَخْبَارُ آحَادٍ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ.

وَأَبْلَغُ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: دَلَالَةُ الْقُرْآنِ لَفْظِيَّةٌ سَمْعِيَّةٌ وَالدَّلَالَةُ السَّمْعِيَّةُ اللَّفْظِيَّةُ لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ، وَيَجْعَلُونَ الْعُمْدَةَ عَلَى مَا يَدْعُونَهُ مِنْ الْعَقْلِيَّاتِ وَهِيَ بَاطِلَةٌ فَاسِدَةٌ.

 مِنْهَا: مَا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ وَكَذِبُهُ، وَهَؤُلَاءِ أَيْضًا قَدْ يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ أُولَئِكَ، وَكِلَا الطَّرِيقَيْنِ بَاطِلٌ وَلَوْ لَمْ يُكَفِّرْ مُخَالِفَهُ، فَإِذَا كَفَّرَ مُخَالِفَهُ صَارَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا كَمَا فَعَلَتْ الْخَوَارِجُ وَغَيْرُهُمْ... .

وَطَائِفَةٌ مِمَّنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنِهِ يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ كَمَا فَعَلَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ شُكْرٍ؛ فَإِنَّهُ سَرِيعٌ إلَى تَكْفِيرِ مَنْ يُخَالِفُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ السُّنَّةِ وَقَدْ يَكُونُ مُخْطِئًا فِيهِ، إمَّا لِاحْتِجَاجِهِ بِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ أَوْ بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ لَكِنْ لَا تَدُلُّ عَلَى مَقْصُودِهِ، وَمَا أَصَابَ فِيهِ مِنْ السُّنَّةِ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُ كُلِّ مَنْ خَالَفَ فِيهِ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مُخْطِئٍ كَافِرًا لَاسِيَّمَا فِي الْمَسَائِلِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي كَثُرَ فِيهَا نِزَاعُ الْأَمَةِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ.

وَكَذَلِكَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ لَهُ مُصَنَّفٌ فِي الصِّفَاتِ قَدْ جَمَعَ فِيهِ الْغَثَّ وَالسَّمِينَ.

وَكَذَلِكَ مَا يَجْمَعُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ منده مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ حَدِيثًا لَكِنْ يَرْوِي شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ، وَرُبَّمَا جَمَعَ بَابًا وَكُلُّ أَحَادِيثِهِ ضَعِيفَةٌ كَأَحَادِيثِ أَكْلِ الطِّينِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ يَرْوِي عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيِّ، وَقَدْ وَقَعَ مَا رَوَاهُ مِنْ الْغَرَائِبِ الْمَوْضُوعَةِ إلَى حَسَنِ ابْنِ عَدِيٍّ فَبَنَى عَلَى ذَلِكَ عَقَائِدَ بَاطِلَةً وَادَّعَى أَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الدُّنْيَا عِيَانًا، ثُمَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِهَذَا مِنْ أَتْبَاعِهِ يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْبِدَعِ كَمَا فَعَلَتْ الْخَوَارِجُ".

أقول: تأمل هذا الكلام العلمي الرصين الذي يقرر المنهج العلمي المتين لما يصح الاحتجاج به، وما لا يصح من الأحاديث الموضوعة والضعيفة، وانظر نقده لمن يحتج على إثبات الصفات بأحاديث مكذوبة.

ومنها ما هو إلى الكذب أقرب، أي أحاديث ضعيفة، مثل حديث عبد الله بن خليفة هذا، وما شاكله.

ومنها ما هو إلى الصحة أقرب، أي ليس بصحيح، ومن البلاء بهذا الصنف أنهم يُكفرون من خالفهم، وحالهم وحال أدلتهم ما عرفت.([5])

وقابلهم طائفة يكذبون بجنس الحديث، ويقولون عن أحاديث الصحيحين وغيرها: إنها أخبار آحاد، لا تفيد العلم، وهؤلاء أهل ضلال.

وأسوأ حالًا من هاتين الطائفتين من يقول: "دَلَالَةُ الْقُرْآنِ لَفْظِيَّةٌ سَمْعِيَّةٌ، وهي لا تفيد اليقين، ويجعلون العمدة على ما يدّعونه من العقليات الباطلة الفاسدة، وقد يُكفِّرون من خالف ضلالهم، وكلا الطرفين أهل باطل، يعني أن هذه الطوائف الثلاث على باطل، لا سيما إذا كفّرت كل طائفة من يخالفها.

وانظر إلى الطائفة الرابعة التي تُكفِّر من خالفها في دعوى رؤية النبي ﷺ ربه بعينه، ظانين أنه قد جاء بذلك أحاديث صحيحة، وعمدتها في ذلك أحاديث ضعيفة، أو أحاديث صحيحة لا تدل على المقصود.

ومثّل شيخ الإسلام لهذا الصنف بأبي الحسن علي بن شكر وبأبي علي الأهوازي وبعبد الرحمن بن منده، وبحسن بن عدي الذي ادَّعَى أَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الدُّنْيَا عِيَانًا؛ معتمدًا على ما رواه عبد الرحمن بن منده والأهوازي من الغرائب الموضوعة.

ثم قال شيخ الإسلام بعد هذا التأصيل العظيم والنقد الشديد لمن يخالف هذا التأصيل والمنهج: "وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْن خَلِيفَةَ المشهور، الذي يروى عن عمر  عن النبي ﷺ وقد رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاره، وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه، كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي وابن الجوزي وغيرهم، لكن أكثر أهل السنة قبلوه".

فالظاهر من هذا السياق أنه ألحق حديث عبد الله بن خليفة بما قبله، بقوله: "ومِنْ ذلك حديث عبد الله بن خليفة".

وبعد هذا التأصيل الرصين الذي قرره شيخ الإسلام .

أقول: إن في إسناد هذا الحديث الغريب عدة علل.

الأولى: أن مدارها على أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، وهو مدلس من أشد المدلسين.

قال عبد الله بن أحمد  في كتاب العلل: "حدثني أبي، قال: حدثنا أبو أسامة عن مفضل ابن مهلهل عن مغيرة قال: ما أفسد أحد حديث الكوفة إلا أبو إسحاق- يعني السبيعي- وسليمان الأعمش".

انظر الجامع في العلل ومعرفة الرجال (1/104-105).

قال المروذي: "وقال (يعني الإمام أحمد): التدليس من الريبة".

وقال المروذي: "قال أبو عبد الله: "كان شعبة يتشدّد في التدليس". الجامع في العلل ومعرفة الرجال ( ص 19- 20).

وقال أبو إسحاق الجوزجاني في كتاب أحوال الرجال (ص79- 81): "وكان قوم من أهل الكوفة لا يحمد الناسُ مذاهبهم هم رؤوس محدثي الكوفة مثل: 102- أبي إسحاق عمرو بن عبدالله.

 103- ومنصور

 104- والأعمش

105- وزبيد بن الحارث اليامي.

وغيرهم من أقرانهم، احتملهم الناسُ على صدق ألسنتهم في الحديث ووقفوا عندما أرسلوا، لمَّا خافوا ألا تكون مخارجها صحيحة.

فأما أبو إسحاق فروى عن قوم لا يُعرفون([6])، ولم ينتشر عنهم عند أهل العلم إلا ما حكى أبو إسحاق عنهم، فإذا روى تلك الأشياء التي إذا عَرَضها الأُمّةُ على ميزان القسط الذي جرى عليه سلفُ المسلمين([7]) وأئمتُهم الذين هم الموئِلُ لم تتفق عليها، كان الوقفُ في ذلك عندي الصوابَ؛ لأن السلفَ أعلمُ بقول رسول الله ﷺ وتأويل حديثه الذي له أصلٌ عندهم.

وقال وهب بن زمعة: سمعتُ عبدالله يقول: إنما أفسدَ حديث أهل الكوفة الأعمشُ وأبو إسحاق.

قال إبراهيم: وكذا حدثني إسحاقُ بن إبراهيم حدثنا جرير سمعتُ مغيرة يقول غير مرة: أهلك أهلَ الكوفة أبو إسحاق وأعيمشُكُم هذا.

قال إبراهيم: وكذلك عندي من بعدهم إذ كانوا على مراتبهم من مذموم المذهب وصدق اللسان"، تهذيب التهذيب (8/66-67).

وقال الحافظ ابن حجر في تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس في المرتبة الثالثة (ص101) رقم (91):

"ع - عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، مشهور بالتدليس، وهو تابعي ثقة وصفه النسائي وغيره بذلك.

قال الحافظ في أهل المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين (ص23):

"الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقًا، ومنهم من قبلهم كأبي الزبير".

فهذا حال أبي إسحاق، وهذا رأي أهل العلم فيه.

فلا يجوز لأحد أن يقبل روايته إذا عنعن، لا سيما وهو من أهل الطبقة الثالثة من المدلسين، ولا سيما إذا عنعن عن أمثال عبد الله بن خليفة، الذي لا يكاد يعرف، ولعله جاهل من أجهل الناس.

قال عادل في (ص156) من حاشيته على كتاب الدشتي:

"10- الذهبي قال في "العرش" (2/119): هذا حديث محفوظ من حديث أبي إسحاق السبيعي إمام الكوفيين في وقته، سمع من غير واحد من الصحابة، وأخرجا حديثه في الصحيحين، وتوفي سنة سبع وعشرين ومائة، تفرد بهذا الحديث عن عبد الله بن خليفة من قدماء التابعين، لا نعلم حاله بجرح ولا تعديل([8])؛ لكن هذا الحديث حدّث به أبو إسحاق السبيعي مقراً([9]) له كغيره من أحاديث الصفات، وحدّث به كذلك سفيان الثوري، وحدّث به أبو أحمد الزبيري، ويحيى بن أبي بكير، ووكيع، عن إسرائيل.

وأخرجه أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب "السنة، والرد على الجهمية" له، عن أبيه عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان -ثم ساقه الذهبي-.

ورواه أيضاً عن أبيه، حدثنا وكيع بحديث إسرائيل -ثم ساقه-".

أقول: الكلام على هذا المقطع من وجوه:

الوجه الأول: أن أصول السلف وأئمة الحديث في نقد الأحاديث وأسانيدها وفي قبولها وردها تقتضي ردّ هذا الحديث إسنادًا ومتنًا.

ومَنْ قَبِل هذا الحديث منهم يؤمن بهذه الأصول ويسلم بها، ولكنه تساهل في التطبيق، والذهبي نفسه صرّح في نقده لحديث أبي إسحاق عن جبير بن محمد بن جبير بما يقتضي رده وأمثاله، مع أن حديث جبير بن محمد أقل ضعفًا ونكارة من حديث أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة.

الثاني: أن أبا إسحاق مع صدقه وثقته كان مدلسًا مكثرًا من التدليس، وضعه الحافظ ابن حجر في كتابه مراتب المدلسين في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين، وهي التي لا يقبل الحديث من أهلها إلا إذا صرّحوا بالسماع، وأبو إسحاق مع شدة تدليسه لم يصرِّح بالسماع؛ فحديثه هذا ضعيف، بل منكر غير مقبول.

الثالث: لقد صرَّح الحافظ الذهبي بأن أبا إسحاق قد تفرد بهذا الحديث عن عبدالله بن خليفة، وهذا مما يؤكد ضعف هذا الحديث من جهتين:

الأولى: تدليس أبي إسحاق.

والثانية: أن عبد الله بن خليفة لا يعرف حاله، كما صرَّح بذلك الذهبي نفسه، ورواياته المضطربة تشهد عليه بأنه مع جهالة حاله شديد الضعف؛ إذ لا يعرف له إلا هذا الحديث، ومع ذلك فقد اضطرب في رواياته له.

الوجه الرابع: ينبغي أن يُعرف أن الذهبي ألّفَ كتابه العلو بعد رسوخه في العلم وخبرته ومعرفته التامة بمنهج السلف.

أما كتاب العرش، فإنه قام بتأليفه وهو في الخامسة والعشرين من عمره، أي قبل نضجه في العلم وإدراكه التام لمنهج السلف.   

والدليل على صحة قولي هذا تصريحه في مقدمة كتاب العلو بقوله -بعد حمد الله والشهادة لله بالألوهية ولمحمد ﷺ بالرسالة والثناء عليه-.

بقوله: "أما بعد فإني كنت في سنة ثمان وتسعين وستمائة جمعتُ أحاديثَ وآثارًا في مسألة العلو، وفاتني الكلامُ على بعض ذلك ولم أستوعبْ ما ورد في ذلك؛ فذيلت على ذلك مؤلفًا: أوله: "سبحان الله العظيم وبحمده على حلمه بعد علمه".

والآن فأرتب المجموع وأوضحه هنا، وبالله أستعين وهو حسبنا ونعم الوكيل"، كتاب العلو (1/245).

ومعلوم أن ولادة الذهبي كانت في سنة (673هـ) وكانت وفاته في سنة (748هـ)، أي أنه عاش بعد تأليف كتاب "العرش" خمسين عامًا، وقد هيأ الله له هذا العمر المديد بعد تأليف كتاب العرش لإبطال هذا الكلام بما نصَّ عليه في كتابه العلو.

فقد أورد في هذا الكتاب: حديث جبير بن مطعم في (1/404-413) من طرق، مدارها على محمد بن إسحاق بن يسار صاحب السيرة والمغازي، يحدث عن يعقوب بن عتبة عن جبير بن محمد بن جبير عن أبيه عن جده.

ثم قال في الأخير: "أخبرنا التاج عبد الخالق، وبنتُ عمه ست الأهل، قالا: أنا البهاء عبد الرحمن بن إبراهيم، أنا عبد المغيث بن زهير، أنا أبو العز بن كادش، أنا أبو طالب محمد ابن علي، أنا أبو الحسن الدارقطني، ثنا يحيى بن صاعد، نا محمد بن يزيد أخو كرخويه، نا وهب بن جرير، نا أبي، سمعت ابن إسحاق، يحدث عن يعقوب بن عتبة عن جبير، عن أبيه، عن جده، قال: أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس وضاع العيال وهلكت الأنعام ونهكت الأموال فاستسق الله لنا؛ فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله. فقال: «ويحك أتدري ما تقول؟ إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ويحك أتدري ما الله؟ إن عرشه لعلى سمواته وأرضه» هكذا قال وأرانا وهبٌ بيده هكذا، وقال: «مثل القبة وإنه ليئط أطيط الرحل بالراكب»".

ثم قال الذهبي: "هذا حديث غريب جدًّا فردٌ، وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسنَد، وله مناكير وعجائب، فالله أعلم أقال النبي ﷺ هذا أم لا؟ والله فليس كمثله شيء.

والأطيط الواقع بذات العرش من جنس الأطيط الحاصل في الرحل، فذاك صفة للرحل وللعرش، ومعاذ الله أن نعده صفة لله عز وجل.

ثم لفظ الأطيط لم يأت به نص ثابت"([10])، العلو (1/413-416).

انظر إلى قوله: "هذا حديث غريب جدًّا"، أي إنه حديث منكر.

وانظر إلى قوله في ابن إسحاق: "حجة في المغازي إذا أسنَد"، أي إذا صرّح بالسماع، ويفهم من قوله:"حجة في المغازي إذا أسنَد"، أنه ليس بحجة في غير المغازي، لا سيما في حديث رسول الله ﷺ.

وانظر إلى قوله: "وله مناكير وعجائب" .

أقول: ومنها هذا الحديث الذي ساقه الذهبي؛ فحديث عبد الله بن خليفة المتضمن للأطيط يتناوله حكم الذهبي هنا.

وانظر نسبته الأطيط (يعني على فرض صحة هذا الحديث) إلى العرش، وأنه من جنس الأطيط الحاصل للرحل، وأكدَّ ذلك بقوله: صفة للعرش، ومعاذ الله أن نعده صفة لله عز وجل.

وهذا يبطل ما قرره في كتاب العرش، ولم يستنكره عادل، بل احتج به، ولا أستبعد أنه اطلع على هذا الكلام الحق الذي صدع به الإمام الذهبي في كتابه العلو.

 فإن كان لم يطلع عليه، فإني أحب أن أعرف موقفه منه بعد أن يطلع عليه.

ثم بعد هذا التقرير من الحافظ الذهبي اللائق بجلال الله، صرّح بقوله: "ثم لفظ (الأطيط) لم يأت به نص ثابت".

وهذا يتناول حديث أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة.

فهذا التصريح فيه حكم على حديث جبير بن مطعم بالضعف، وعلى حديث عبدالله بن خليفة الشديد الضعف أيضًا.

ثم قرر المنهج السديد الذي يجب على المسلم أن يسلكه في أحاديث الصفات.

أقول: بل وغيرها؛ فقال في (1/416) من العلو:

"وقولنا في هذه الأحاديث: إنا نؤمن بما صحَّ منها، وبما اتفق السلفُ على إمراره وإقراره، فأما ما في إسناده مقالٌ، أو اختلف العلماء في قبوله وتأويله فإننا لا نتعرض له بتقرير، بل نرويه في الجملة ونبين حاله، وهذا الحديث إنما سُقناه لما فيه مما تواتر من علو الله فوق عرشه مما يوافق آيات الكتاب".

انظر إلى قوله: "وقولنا في هذه الأحاديث: إنا نؤمن بما صحَّ منها، وبما اتفق السلفُ على إمراره".

فلا يقبل ويؤمن في هذا الباب إلا ما صحّ وثبت عن رسول الله ﷺ عن طريق العدول الضابطين يسمع بعضهم من بعض، فلا يقبل الأحاديث الغريبة، والضعيفة والشاذة، ولا أخبار المدلسين إذا لم يصرِّحوا بالسماع، كما هو الشأن في روايتي عبد الله بن خليفة وجبير بن محمد، وكذلك لا يقبل ولا يؤمن إلا بما اتفق السلفُ على إمراره وإقراره.

ولا يؤمن هو وغيره من السلف إلا بما صحَّ إسناده إلى رسول الله ﷺ، ثم إمراره وإقراره، أي مع الإيمان بأن لله صفات عظيمة ثابتة على الوجه اللائق به، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، وهذا هو الثابت عن السلف الصالح، كما هو مقرر في دواوين السنة.

وقوله: "فأما ما في إسناده مقال، أو اختلف العلماء في قبوله وتأويله، فإننا لا نتعرض له بتقرير".

يريد بذلك -والله أعلم- الأحاديث التي يختلف علماء الحديث ما بين مصحح ومضعف، فهو يرويه ويبين حاله بحسب ما يترجح له من صحة وضعف.

وقوله: "وهذا الحديث إنما سُقناه لما فيه مما تواتر من علو الله فوق عرشه مما يوافق آيات الكتاب"، (يعني حديث جبير بن مطعم الذي ضعفه)، فقال فيه: "غريبٌ جدًّا فردٌ ".

ومع هذا فجزء من هذا الحديث مع ضعفه يوافق ما تواتر في إثبات علو الله، من أجل ذلك ساقه، والجزء الثاني ضعيف فقام ببيان غرابته الشديدة.

وبالمناسبة نذكر هنا تصرف الإمام البخاري في حديث جبير بن محمد عن أبيه عن جده، فقد قال في خلق أفعال العباد (ص133-134):

"وقال جبير بن مطعم عن النبي ﷺ: "إن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته، وسماواته فوق أراضيه".

فحذف منه ما لا أصل له ولا يثبت بحال، وهو الأطيط، وأبقى منه ما يوافق النصوص الصحيحة، بل ما يوافق القرآن.

وكذا صنع الإمام اللالكائي في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة، فقد أورد في كتابه هذا حديث جبير بن محمد عن أبيه عن جده برقم (656)، فذكر نصه، إلا لفظ "الأطيط"، فإنه قد قام بحذفه.

وكذا صنع شيخ الإسلام ابن تيمية ، فقد أورد حديث جبير هذا في شرح حديث النـزول (ص461-462)، وحذف لفظ الأطيط.

والظاهر أنه ما حملهم على ذلك إلا أنهم يرون أنه لا أصل له، ولا يوجد في السنة الصحيحة ما يشهد له.

ثم أكد الذهبي هذا الحكم بقوله: "... وله (أي ابن إسحاق) مناكير وعجائب".

وبيّن أنه يحتج به في المغازي بشرط أن يسند، والظاهر أنه يريد أن يصرح بالسماع.

وأقول: لقد بيّنَ الحافظ الذهبي حال ابن إسحاق، وحال هذا الحديث، وسائر ما يرويه في غير المغازي.

وأحب أن أضيف بيان أن ابن إسحاق مع كل ما ذكره الذهبي، هو مدلس شديد التدليس.

فقد وصف الإمام أحمد التدليس، فقال: "التدليس من الريبة"، الجامع للعلل ومعرفة الرجال (1/19).

قال المروذي: "وقال (يعني الإمام أحمد): كان ابن إسحاق يدلس إلا كتاب إبراهيم بن سعد يُبيِّن إذا كان سماعًا قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال"، الجامع للعلل ومعرفة الرجال (ص17)، وسير أعلام النبلاء (7/46).

قال الذهبي: "وقال أحمد : قدم ابنُ إسحاق بغداد، فكان لا يبالي عمن يحكي، عن الكلبي وعن غيره، وقال: ليس هو بحجة.

وقال أيوب بن إسحاق بن سافري: سألتُ أحمد بن حنبل، فقلت: إذا انفرد ابن إسحاق بحديث تقبله؟ قال: لا والله، إني رأيته يُحدِّث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا. قال: وأما علي بن المديني، فكان يُثني عليه ويُقدِّمه.([11])

وروى محمد بن عثمان العبسي، عن علي: هو صالح وسط، وروى ابن أبي خيثمة عن يحيى: ليس به بأس، وقال مرة: ليس بذاك.

وسمعتُ يحيى مرة أخرى يقول: هو عندي سقيم، ليس بالقوي...". سير أعلام النبلاء (7/46-47).

والأقوال في ابن إسحاق كثيرة، ما بين مادح وقادح، والقدح فيه أكثر، وهو الراجح؛ لأن المدح قائم على حسن الظن وعلى الظاهر، والجرح قائم على الدراسة والعلم، ومن علم حجة على من لم يعلم ولو كثروا.

والظاهر اللائق بالجميع أنهم لا يقبلون ما يدلس فيه من الروايات، مثل تدليسه هنا عن رجل مجهول الحال.

ويهمنا هنا بيان أن ابن إسحاق مدلس شديد التدليس.

فقد وضعه الحافظ ابن حجر في المرتبة الرابعة، وهي التي لا يقبل من هو فيها إلا إذا صرّح بالتحديث، وبعض العلماء لا يقبل حديث أهل هذه الطبقة، ولو صرّحوا بالسماع.

قال الحافظ في تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس (ص132):

"خت م مقرونا 4 محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي المدني صاحب المغازي، صدوق، مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين وعن شر منهم، وصفه بذلك أحمد والدارقطني وغيرهما".

أقول: وممن وصفه بالتدليس أبو حاتم الرازي .

وأشار إلى تدليسه ابن معين وأبو زرعة.

فقد قال ابن معين: لم يسمع من أبي سفيان طلحة بن نافع شيئًا.

وقال أبو زرعة: لم يسمع من حكيم بن حكيم. انظر جامع التحصيل للعلائي رقم (666).

وقال أحمد بن الخليل([12]): "وسمعت مكي بن إبراهيم يقول: جلست إلى محمد بن إسحاق وكان يخضب بالسواد، فذكر أحاديث في الصفة، فنفرت منها، فلم أعد إليه". المعرفة والتاريخ (1/137).

وذكر الحافظ الذهبي هذه القصة في الميزان (3/474)، في ترجمة ابن إسحاق، وأضاف إليها قوله: "رواها عبد الصمد بن الفضل عن مكي، وقال: فإذا هو يروي أحاديث في صفة الله لم يحتملها قلبي".

أقول: لعل هذه الأحاديث التي سمعها منه مكي من أحاديث المجهولين، أو من الإسرائيليات، ولعل هذا الحديث منها.

وحديث جبير بن مطعم يرويه حفيده جبير بن محمد، مع أنه مجهول الحال، حيث لم يرو عنه إلا اثنان، وليس له إلا حديث واحد، هو حديث الأطيط.

 

يتبع إن شاء الله

 

كتبه

ربيع بن هادي المدخلي

18 ذي الحجة 1437هـ

 



([1]) أورد الحافظ ابن الجوزي هذا الحديث في العلل المتناهية (1/4-6) من طريقين، ثم قال: "هَذَا حَدِيثٌ لا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِسْنَادُهُ مُضْطَرِبٌ جِدًّا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَلِيفَةَ لَيْسَ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ الأَوَّلُ مُرْسَلا وَابْنُ الْحَكَمِ وَعُثْمَانُ لا يَعْرِفَانِ وَتَارَةً يَرْوِيهِ ابْنُ خَلِيفَةَ عَنْ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَارَةً يَقِفُهُ عَلَى عُمَرَ وَتَارَةً يُوقَفُ عَلَى ابن خَلِيفَةَ وَتَارَةً: يَأْتِي فَمَا يَفْضُلُ مِنْهُ إِلا قَدْرُ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ. وَتَارَةً: يَأْتِي فَمَا يَفْضُلُ مِنْهُ مقدار أربعة أَصَابِعٍ. وَكُلُّ هَذَا تَخْلِيطٌ مِنَ الرُّوَاةِ فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ".

([2]) نعم رواه الدارقطني في كتاب الصفات، ولكن لا ذِكر فيه لجلوس الله ولا قعوده على العرش أو الكرسي، ولقد ساق الدشتي هذا الأثر من أربع طرق، في طريقين منها ذِكر القعود، والطريقان الآخران ليس فيهما ذِكر القعود؛ وهذا من اضطراب عبد الله بن خليفة.

([3]) هذا التصحيح من الإمام أحمد إنما هو لأحاديث رؤية المؤمنين لله -تبارك وتعالى- في الدار الآخرة، لا لحديث الأطيط، فانتبه.

([4]) في هذا الكلام إشارة إلى جهالة حال عبد الله بن خليفة، ومَنْ هذا حاله لا يحتج بروايته في أصغر الأمور، فكيف يحتج به في أعظم الأمور: صفات الله وأفعاله.

([5]) وهكذا تفعل الفرقة الحدادية، منهم من يُكفر من خالفه ولو كان على الحق، ومنهم من يُبدِّع أهل السنة المتمسكين بها.

([6]) ومنهم: عبد الله بن خليفة، وروايته عنه هذا الحديث المنكر.

([7]) ليت عادلاً وأمثاله يعرفون هذا الميزان الذي جرى عليه السلف وأئمتهم، ويريحون أنفسهم والمسلمين من الأحاديث الضعيفة والمنكرة، التي لا يجوز الاعتماد عليها، والتي تسبب الفتن والشحناء والبغضاء.

([8]) فما حكم رواية مدلس عن شخص لا يعرف حاله عند أئمة الحديث السابقين واللاحقين؟

([9]) ما أقره النبي ﷺ لا يكون إلا حقًّا، وهو من الشرع؛ لأن النبي ﷺ لا يقر على باطل، أما إقرار مثل أبي إسحاق وأمثاله فليسوا بمعصومين، ولا يكون إقرارهم حجة شرعية.

([10]) نقل العلامة الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى في كتابه شرح النونية للإمام ابن القيم (1/234-235) حديث جبير بن محمد بن جبير الذي فيه ذكر الأطيط، ثم نقل هذا الكلام عن الحافظ الذهبي مقرًّا له.

([11])أقول: والحجة مع الإمام أحمد وغيره ممن لا يقبل ما دلّس فيه ابن إسحاق، الذي يدلس عن الضعفاء والمجهولين وعن شر منهم.

([12]) شيخ يعقوب بن سفيان الفسوي، وهو ثقة.

   


مراجع مراجع





© موقع الشيخ ربيع المدخلي 2019 جميع الحقوق محفوظة.
  برمجة وتصميم طريق التطوير