أقوال العلماء في جماعة التبليغ   موقف الإسلام من عيسى ـ عليه السلام   توضيح   دفع أكذوبة المجالس السرية   تقديم الشيخ ربيع لكتاب: سُلوان السَّلَفِي عند كَيدِ الخَلَفي   حكم بناء الكنائس في بلاد المسلمين   الرد على الدكتور عباس شومان   تعليقات على طعونات الشيخ محمد بن هادي في أناس أبرياء مما يصفهم به   منزلة إصلاح ذات البين في الإسلام   نصيحة للسلفيين في الجزائر بالاجتماع وعدم الافتراق   دحر مغالطات الحجوري ودفع مخالفاته في كتابه الإجابة (الحلقة الثالثة)   دحر مغالطات الحجوري ودفع مخالفاته في كتابه الإجابة ( الحلقة الثانية )   دحر مغالطات الحجوري ودفع مخالفاته في كتابه الإجابة ( الحلقة الأولى )   مؤاخذات على شيخ الجامع الأزهر أحمد الطيب ( الحلقة الثالثة )   لا يا شيخ الأزهر، يجب عليك أن تسلك مسلك العلماء في إدانة ابن عربي في تصريحاته بوحدة الوجود ( الحلقة الثانية )   مؤاخذات على شيخ الجامع الأزهر أحمد الطيب ( الحلقة الأولى )   الخيانات والغدر من شر أنواع الفساد في الأرض   كلام أئمة الإسلام حول أحاديث الشفاعة التي لايرفع الخوارج الحدادية بها رأساً.   تحذير أهل السنة السلفيين من مجالسة ومخالطة أهل الأهواء المبتدعين   استهداف الروافض الحوثيين مكة المكرمة بصاروخ باليستي إنما هو امتداد لأعمال أسلافهم القرامطة الباطنية   بيان بطلان دعاوى أهل مؤتمر الشيشان   تصريحات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بتواتر أحاديث الشفاعة وأنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان   وضوح البرهان يدمغ مخالفات عادل آل حمدان – الحلقة الأولى   أحاديث الشفاعة محكمة وليست من المتشابه كما يقول ذلك الخوارج الجدد؛ فيجب التسليم بها واعتقاد ما دلت عليه.   نصيحة للمسلمين عمومًا والسلفيين خاصة، في ليبيا وغيرها من البلاد الإسلامية.   أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون   توجيه العلامة ربيع المدخلي، لبعض الشباب في المغرب العربي الذين ينكرون بعض بدع المقابر، ويترتب على ذلك مشاكل كبيرة   التكلف في قراءة القرآن أنكره أئمة السلف رحمهم الله   دحض أباطيل عبد الحميد الجهني التي أوردها في كتابه المسمى زورًا بالرد العلمي – الحلقة الخامسة   العقيدة الباطنية عند أئمة الرفض وانطلاقهم منها في تفسير كتاب الله ( نسخة مزيدة )

جناية الحلبي على الإمام البخاري -رحمه الله- وتهويشه عليه.

شارك عبر

https://rabee.net/?p=150

 

جناية الحلبي على الإمام البخاري -رحمه الله- وتهويشه عليه


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.

أما بعد:

فقد اطلعتُ على مقال لعلي الحلبي نُشِر في منتديات كل السلفيين (كما يزعمون).

عنوانه: “قال الإمام البخاريُّ:(المَعْرِفَة فِعلُ القَلْبِ) ؛ فكيف يفهمُها السلفيُّ إذا صدرت من سلفي؟؟”.

أقول: كل سلفي، بل وكل إمام من أئمة السلف ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية لا يفهمونها مثل فهم الحلبي، بل يرون أنها حق، كما يفهمون قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره -صلى الله عليه وسلم-“.

فقول البخاري -رحمه الله- وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- كلاهما من باب واحد؛ إذ معنى قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: “التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره”، أن التقوى فعل القلب لا فعل غيره.

وعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: “تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ”، البخاري حديث (5998) ومسلم حديث (2317).

ومراد الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الرحمة محلها القلب، فقول البخاري من هذا الباب.

وفي صحيح مسلم: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت قدم ناس من الأعراب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟، فقالوا: نعم، فقالوا: لكنا والله ما نقبل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أو أملك إن كان الله نزع منكم الرحمة”، وقال ابن نمير: “من قلبك الرحمة”.

ثم قال الحلبي: ” ذمّ شيخ الإسلام ابن تيمية -في مواضعَ من كتبه-قولَ من يقول :(المَعْرِفَة فِعلُ القَلْبِ) ، وبيّن -رحمه الله- أنها من أقوال أهل البدع -من المرجئة -ومن لفّ لفّهم-…

قال-رحمه الله-بعد تأصيل وبيان-:

“وَبِالْجُمْلَةِ : فَلا يَسْتَرِيبُ مَنْ تَدَبَّرَ مَا يَقُولُ فِي أَنَّ الرَّجُلَ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا بِمُجَرَّدِ تَصْدِيقٍ فِي الْقَلْبِ مَعَ بُغْضِهِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَاسْتِكْبَارِهِ عَنْ عِبَادَتِهِ وَمُعَادَاته لَهُ وَلِرَسُولِهِ.

وَلِهَذَا كَانَ جَمَاهِيرُ الْمُرْجِئَةِ عَلَى أَنَّ عَمَلَ الْقَلْبِ دَاخِلٌ فِي الإيمَانِ كَمَا نَقَلَهُ أَهْلُ الْمَقَالاتِ عَنْهُمْ -مِنْهُمْ: الأشْعَرِيُّ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ فِي ” الْمَقَالاتِ “:

(اخْتَلَفَ الْمُرْجِئَةُ فِي الإيمَانِ مَا هُوَ؟ وَهُمْ اثْنَتَا عَشْرَةَ فِرْقَةً :

الْفِرْقَةُ الأولَى- مِنْهُمْ- : يَزْعُمُونَ أَنَّ الإيمَانَ بِاَللَّهِ هُوَ الْمَعْرِفَةُ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ، وَبِجَمِيعِ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ -فقَطْ- ، وَأَنَّ مَا سِوَى الْمَعْرِفَةِ مِنْ الإقْرَارِ بِاللِّسَانِ وَالْخُضُوعِ بِالْقَلْبِ وَالْمَحَبَّةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَالتَّعْظِيمِ لَهُمَا وَالْخَوْفِ وَالْعَمَلِ بِالْجَوَارِحِ فَلَيْسَ بِإِيمَانِ.

وَزَعَمُوا أَنَّ الْكُفْرَ بِاَللَّهِ هُوَ الْجَهْلُ بِهِ…. “،-إلى آخر ما قاله-رحمه الله-“.

 

أقول:

1- أين هي المواضع التي ذمَّ فيها شيخ الإسلام من يقول: “المعرفة فعل القلب”؟!!، وبيّن أنها من أقوال أهل البدع المرجئة.

 

2- هذا الكلام الذي نقلتَهُ عن شيخ الإسلام لا يتناول كلام البخاري من قريب ولا من بعيد، وحاشاه أن يقصد به الرد على مثل كلام البخاري، إنما يقصد شيخ الإسلام المرجئة الذين يقولون: “الإيمان هو المعرفة”، وينكرون أن تكون الأعمال من الإيمان.

 

ثم قال الحلبي معلقاً على كلام شيخ الإسلام: ” وهذا حقٌّ خالصٌ..”.

 

أقول:

1- لقد أساء الحلبي إلى الإمام البخاري إساءة كبيرة، كما أساء إلى شيخ الإسلام، وسبب ذلك فهمه السيئ لكلام هذا الإمام؛ إذ ظن أن قوله هذا هو قول غلاة المرجئة الذين يقولون : “إن الإيمان هو المعرفة”، مخالفين بذلك نصوص الكتاب والسنة وما عليه أهل السنة والجماعة، الذين يُعرِّفون الإيمان بأنه “قول وعمل واعتقاد؛ قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان”.

والمرجئة على اختلاف أصنافهم يخالفون هذا التعريف الصحيح للإيمان، القائم على الأدلة والبراهين من الكتاب والسنة.

2- إن قول الإمام البخاري بعيد كل البعد عن أقوال المرجئة، ولا سيما غلاتهم، ولا ينكره أي سلفي عرف منهج السلف وعقيدتهم في الإيمان جملة وتفصيلاً.

وهذا بخلاف فهم الحلبي السيئ الذي نادى فيه على نفسه بالجهل.

فالبخاري في هذا القول على منهج السلف لا غبار عليه.

فالمعرفة هنا هي العلم، ولذا قال هنا: ” بَاب قَوْلُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى{وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}.

ثم قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنْ الْأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ قَالُوا إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا” “صحيح البخاري” حديث (20).

فقصد البخاري -رحمه الله- أن العلم من أعمال القلوب، على طريقة أهل السنة، الذين يقولون: الإيمان قول وعمل واعتقاد، ثم في حال التفصيل يُبينون ما هو من أعمال القلوب؛ كالعلم والتقوى والإخلاص لله ومحبة الله ورسوله، والتوكل على الله، والرغبة والرهبة، والخوف والخشية من الله، فهذه وما جرى مجراها عندهم من أعمال القلوب، وكلها من الإيمان، ويخالفهم في ذلك المرجئة الذين ينكرون أن العمل من الإيمان.

أو يقولون في تعريف الإيمان: “الإيمان هو التصديق”.

فهم يحصرون الإيمان في المعرفة أو التصديق فقط.

فمن الظلم والإفك أن ينـزل كلام شيخ الإسلام على كلام البخاري، وأن يلحق كلامه بكلام غلاة المرجئة.

انظر إلى قول شيخ الإسلام: “”وَبِالْجُمْلَةِ : فَلا يَسْتَرِيبُ مَنْ تَدَبَّرَ مَا يَقُولُ فِي أَنَّ الرَّجُلَ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا بِمُجَرَّدِ تَصْدِيقٍ فِي الْقَلْبِ مَعَ بُغْضِهِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَاسْتِكْبَارِهِ عَنْ عِبَادَتِهِ وَمُعَادَاته لَهُ وَلِرَسُولِهِ”.

 

أقول: فهل يجوز أن يتعقب كلام الإمام البخاري المحارب للإرجاء والذي خصص كتاباً من “صحيحه” لتقرير الإيمان على منهج الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام والسلف الصالح، وملأه بالنصوص النبوية الصحيحة ، وضمَّنه الرد على المرجئة، حتى صار كتابه من أهم المراجع لأهل السنة وأئمتهم.

أليس هذا العمل الشنيع من الحلبي من أوضح الأدلة على الجهل والهوى؟

وهل يجوز أن يُتعقب كلام هذا الإمام الجليل البريء قوله من الباطل، وحتى من رائحة الإرجاء؟

 

نقل الحلبي قول شيخ الإسلام الآتي: “اخْتَلَفَ الْمُرْجِئَةُ فِي الإيمَانِ مَا هُوَ؟ وَهُمْ اثْنَتَا عَشْرَةَ فِرْقَةً :

الْفِرْقَةُ الأولَى- مِنْهُمْ- : يَزْعُمُونَ أَنَّ الإيمَانَ بِاَللَّهِ هُوَ الْمَعْرِفَةُ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ، وَبِجَمِيعِ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ -فقَطْ- ، وَأَنَّ مَا سِوَى الْمَعْرِفَةِ مِنْ الإقْرَارِ بِاللِّسَانِ وَالْخُضُوعِ بِالْقَلْبِ وَالْمَحَبَّةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَالتَّعْظِيمِ لَهُمَا وَالْخَوْفِ وَالْعَمَلِ بِالْجَوَارِحِ فَلَيْسَ بِإِيمَانِ.

وَزَعَمُوا أَنَّ الْكُفْرَ بِاَللَّهِ هُوَ الْجَهْلُ بِهِ….”.

ثم قال الحلبي: “-إلى آخر ما قاله-رحمه الله-“.

 

أقول: وأنا سأذكر فرقة أخرى من الفِرَق التي أشار إليها الحلبي .

 

قال شيخ الإسلام: ” والفرقة الثانية من المرجئة : يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر به هو الجهل به فقط، فلا إيمان بالله إلا المعرفة به، ولا كفر بالله إلا الجهل به، وإن قول القائل : (إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ) [سورة المائدة : 73 ] ليس بكفر، ولكنه لا يظهر إلا من كافر، وذلك أن الله كفر من قال ذلك، وأجمع المسلمون أنه لا يقوله إلا كافر، وزعموا أن معرفة الله هي المحبة له وهي الخضوع لله”، “مجموع الفتاوى” (7/544).

 

وذكر شيخ الإسلام أن من عقيدة هذه الفرقة أن الصلاة ليست بعبادة لله،وأنه لا عبادة إلا الإيمان به، وهو معرفته، والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص،وهو خصلة واحدة، وكذلك الكفر.

أيا حلبي أترى عقيدة البخاري في الإيمان من جنس عقائد هؤلاء الذين كفّرهم أئمة السلف؟

ولقد وضع البخاري كتاباً باسم “كتاب الإيمان” حلاه باثنين وأربعين باباً، قائمة على الآيات القرآنية والنصوص النبوية، صدَّرها بقوله:

“بَاب الإيمان وَقَوْلُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ”، وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى{لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ}{وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}{وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى}{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}{وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا}وَقَوْلُهُ{أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا}وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ{فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا}وَقَوْلُهُ تَعَالَى{وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنْ الْإِيمَانِ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: “إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا فَمَنْ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ الْإِيمَانَ فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ”.

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ{وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}وَقَالَ مُعَاذٌ اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْيَقِينُ الْإِيمَانُ كُلُّهُ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ{شَرَعَ لَكُمْ}أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ{شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}سَبِيلًا وَسُنَّةً”، “صحيح البخاري” (1/19).

 

وهو يرى أن الإيمان والإسلام شيئاً واحداً، ومعه طائفة من أهل الحديث والسنة، ولهم أدلتهم، وخالفهم أناس من أهل الحديث والسنة، فهذه مسألة تجاذبتها الأدلة تدخل في مسائل الاجتهاد، للمصيب أجران، وللمخطئ أجر واحد.

فيرى القارئ أن الإمام البخاري:

1- عرّف الإيمان في هذا الباب الذي عقده في طليعة أبواب الإيمان، بأنه قول وفعل ويزيد وينقص.

2- وساق الأدلة من القرآن كما ترى.

3- ثم قال: والحب في الله والبغض في الله من الإيمان.

4- ساق فيه كلام عمر بن عبد العزيز الذي صرّح فيه بأن للإيمان فرائض وشرائع، وحدوداً وسنناً.

وفي هذا رد منه على من يقولون: الإيمان شيء واحد، فمنهم من يقول: هو المعرفة فقط، ومنهم من يقول هو التصديق فقط، وينكرون أن تكون هذه الفرائض والشرائع والحدود والسنن من الإيمان، ويشير بقول عمر بن عبد العزيز: “فمن استكملها (أي تلك الأعمال) فقد استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان”.

يشير به إلى قول أهل السنة بزيادة الإيمان ونقصانه، كما ذكر في صدر كلامه هنا: أنه قول وفعل ويزيد وينقص.

فكم ترى عند هذا الإمام من التأكيدات والاستدلال بالآيات وغيرها على المذهب الحق في الإيمان؛ ألا وهو مذهب أهل السنة والجماعة.

 

قال البخاري ضمن تبويباته الكثيرة للإيمان: ” بَاب أُمُورِ الْإِيمَانِ”.

ثم قال: “وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ}{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}الْآيَةَ.

9 – حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ””.

 

فهذا النص القرآني تضمَّن أنواعاً من أعمال البر ، والبر هنا يتضمّن الإيمان، فمن أنواع الإيمان القلبي: الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب التي أنزلها الله على رسله، وهي تتضمَّن عقائد، وعلى رأسها توحيد الله وإخلاص الدين له، ونبذ الشرك بالله.

والإيمان بالنبيين من نصَّ الله عليهم، وذكر لنا قصصهم مع أممهم، ومنهم من لم ينص الله على أسمائهم، ولم يذكر قصصهم مع أقوامهم، فيجب علينا الإيمان بهم، قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ).

ومن أعمال البر والإيمان إقامة الصلاة وفيها الجمع بين أعمال القلوب وأعمال الجوارح.

ومن أعمال البر إيتاء المال من زكاة ونفقات واجبة ومستحبة على الأصناف المذكورة، وذلك من أعمال الجوارح، وهي من الإيمان.

ومنها الوفاء بالعهود، وهو من أعمال القلوب والجوارح.

والصبر في البأساء وهي شدة الفقر، والضراء المرض، وحين البأس وقت شدة القتال في سبيل الله، هذا الصبر في هذه الأحوال من أعمال القلوب.

 

فالذين يقومون بهذه الأعمال القلبية والبدنية على الأوجه المشروعة وأخلصوا فيها لله، شهد الله لهم بالصدق في إيمانهم وبرهم، وشهد لهم بأنهم هم المتقون، والصدق والتقوى من أعمال القلوب العظيمة.

 

ثم أورد الإمام البخاري في هذا الباب حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: ” الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ”.

ورواه الإمام مسلم في “صحيحه” حديث (35) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً، وفيه: ” الإيمان بضع وسبعون شعبة والحياء شعبة من الإيمان”.

وفي رواية أخرى عنه: ” الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان”.

 

وقد لخّصَ الحافظ ابن حجر هذه الخصال من أقوال من سبقه من العلماء في شرحه على صحيح البخاري عند كلامه على حديث الشُعب المذكورة، فقال -رحمه الله-:

” وقد لخصت مما أوردوه ما أذكره وهو أن هذه الشعب تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن، فأعمال القلب فيه المعتقدات والنيات، وتشتمل على أربع وعشرين خصلة: الإيمان بالله، ويدخل فيه الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده بأنه ليس كمثله شيء، واعتقاد حدوث ما دونه. والإيمان بملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره. والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه المسألة في القبر، والبعث، والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار. ومحبة الله. والحب والبغض فيه. ومحبة النبي -صلى الله عليه وسلم-، واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه الصلاة عليه، واتباع سنته. والإخلاص، ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق. والتوبة، والخوف، والرجاء، والشكر، والوفاء، والصبر، والرضا بالقضاء، والتوكل، والرحمة. والتواضع ويدخل فيه توقير الكبير ورحمة الصغير. وترك الكبر والعجب. وترك الحسد. وترك الحقد، وترك الغضب. وأعمال اللسان وتشتمل على سبع خصال: التلفظ بالتوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلم العلم وتعليمه. والدعاء. والذكر ويدخل فيه الاستغفار، واجتناب اللغو. وأعمال البدن وتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة، منها ما يختص بالأعيان وهي خمس عشرة خصلة: التطهير حساً وحكماً، ويدخل فيه اجتناب النجاسات، وستر العورة، والصلاة فرضا ونفلا، والزكاة كذلك، وفك الرقاب. والجود ويدخل فيه إطعام الطعام وإكرام الضيف. والصيام فرضا ونفلا. والحج، والعمرة كذلك، والطواف، والاعتكاف، والتماس ليلة القدر، والفرار بالدين ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك، والوفاء بالنذر، والتحري في الأيمان، وأداء الكفارات. ومنها ما يتعلق بالاتباع وهي ست خصال: التعفف بالنكاح، والقيام بحقوق العيال، وبر الوالدين، وفيه اجتناب العقوق، وتربية الأولاد، وصلة الرحم، وطاعة السادة، والرفق بالعبيد. ومنها ما يتعلق بالعامة وهي سبع عشرة خصلة: القيام بالإمرة مع العدل، ومتابعة الجماعة، وطاعة أولي الأمر، والإصلاح بين الناس، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة. والمعاونة على البر ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود. والجهاد، ومنه المرابطة. وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس. والقرض مع وفائه. وإكرام الجار. وحسن المعاملة، وفيه جمع المال من حله. وإنفاق المال في حقه، ومنه ترك التبذير والإسراف ورد السلام. وتشميت العاطس. وكف الأذى عن الناس. واجتناب اللهو وإماطة الأذى عن الطريق. فهذه تسع وستون خصلة، ويمكن عدها تسعاً وسبعين خصلة باعتبار أفراد ما ضم بعضه إلى بعض مما ذكر والله أعلم”، “فتح الباري” (1/68).

 

أقول: والبخاري حين يورد الآيات والأحاديث المتعلقة بالإيمان وغيره، هو يعلم معانيها ويفقهها، ويؤمن بها أكثر منا بمراحل.

ومنها الآية التي أوردها في هذا الباب، والحديث الذي أورده هو يؤمن به وبما فيه من شعب الإيمان المتعلقة بالقلب والمتعلقة باللسان والمتعلقة بالجوارح.

ومن الأبواب التي أوردها الإمام البخاري في “كتاب الإيمان” من صحيحه.

قوله:

1- من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

2- حب الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الإيمان.

3- حلاوة الإيمان.

4- علامة الإيمان حب الأنصار.

5- بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً.

6- من الدين الفرار من الفتن.

7- قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “أنا أعلمكم بالله”.

8- من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار.

9- تفاضل أهل الإيمان في الأعمال (أي أعمال القلوب والجوارح واللسان).

10- الحياء من الإيمان.

11- علامة المنافق.

12- المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها إلا بالشرك.

13- قيام ليلة القدر من الإيمان.

14- الجهاد من الإيمان.

15- تطوع قيام رمضان من الإيمان.

16- صوم رمضان احتساباً من الإيمان.

17- أحب الدين إلى الله أدومه.

18- زيادة الإيمان ونقصانه.

19- اتباع الجنائز من الإيمان.

انظر إلى أقواله في هذه الخصال في هذه الأبواب وغيرها من أبواب الإيمان؛ لأنه يؤمن بأن كل واحدة منهن من الإيمان، وليست هي الإيمان كله، كما يعتقد غلاة المرجئة بأنه هو المعرفة أو التصديق.

 

وتعقب الحلبي قول الإمام البخاري –رحمه الله- (المعرفة فعل القلب)، بقوله:

” ذمّ شيخ الإسلام ابن تيمية -في مواضعَ من كتبه-قولَ من يقول :(المَعْرِفَة فِعلُ القَلْبِ) ، وبيّن -رحمه الله- أنها من أقوال أهل البدع -من المرجئة -ومن لفّ لفّهم-“.

ثم قال الحلبي بعد حكايته لكلام شيخ الإسلام السالف في الفرقة الأولى من المرجئة: ” وهذا حقٌّ خالصٌ..

ولكنْ: إذا قال هذه الكلمة عالم سلفي ، أو شخص سلفي ؛ فما الموقف الصحيح منه:

1- هل نتهمه بالإرجاء؟!

2- هل نسيء به الظن؟!

3- هل نقول: لا نحمل مجمله على مفصله؟!”.

 

أقول: إذا قال هذه الكلمة عالم سلفي أو شخص سلفي، فالموقف الصحيح منه احترامه ولا يجوز اتهامه بالإرجاء، ولا يساء الظن به، لأن هذه الكلمة لا علاقة لها بالإرجاء من قريب ولا من بعيد، حتى لو قالها غير سلفي، فلا يجوز أن يرمى أو يتهم بالإرجاء.

أما لو قال قائل: “الإيمان هو المعرفة بالله وهو يدَّعي السلفية، ويعرف تعريف السلف للإيمان بأنه قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

فهذا يساء به الظن ويرمى بالإرجاء.

ويقال له: إنَّ هذا القول هو قول غلاة المرجئة، ويُدعى إلى التوبة من هذه الضلالة الكبرى التي تصادم نصوص الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، فإن أعلن توبته وإلا حُذر منه وأمر بهجرانه.

ولا يدعو إلى حمل مجمله على مفصله إلا مميع متلاعب محارب لمنهج السلف ولمواقفهم الحازمة من أهل البدع والضلال.

 

انظر إلى موقف عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- من معبد الجهني، ومن شاركه في القول بالقدر، إذ جاءه يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري فقال له يحيى بن يعمر: ” أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف، قال: “فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني برئ منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر”.

ثم ساق حديث جبريل -عليه السلام- في الإسلام والإيمان والإحسان، صحيح مسلم”، رقم (8).

 

أين حمل المجمل على المفصل؟ ومن طالبه من السلف من الصحابة وغيرهم بحمل المجمل على المفصل؟

وموقف علماء السنة -ومنهم الإمام أحمد- من داود الظاهري معروف.

قال الذهبي في الميزان (2/15) في ترجمة داود الظاهري:

” قلتُ: وقد كان داود أراد الدخولَ على الإمام أحمد فمنعه وقال: كتب إليَّ محمد بن يحيى الذهلي في أمره، وأنه زعم أن القرآن محدث، فلا يقربني.

فقيل: يا أبا عبدالله، إنه ينتفى من هذا وينكره.

فقال: محمد بن يحيى أصدق منه.

وقال المروذي : حدثنا محمد بن إبراهيم النيسابوري أن إسحاق بن راهويه لما سمع كلامَ داود بن علي في بيته وثب وضربَه، وأنكر عليه.

وقال محمد بن الحسين بن صبيح: سمعتُ داود يقول: القرآن محدث، ولفظي بالقرآن مخلوق.

وقال المروذى: كان داود قد خرج إلى ابن راهويه فتكلم بكلامٍ شهد عليه اثنان أنه قال: القرآن محدث.

قال سعيد بن عمرو البردعي: كنا عند أبى زرعة فقال عبد الرحمن بن خراش: داود كافر، فوبخه أبو زرعة، ثم قال أبو زرعة: من كان عنده علم فلم يصنه ولم يقتصر عليه، والتجأ إلى الكلام فما في يدك منه شيء، هذا الشافعي لا أعلم تكلم في كتبه بشيء من هذا الفضول الذي قد أحدثوه، لا أرى امتنع من ذلك إلا ديانة، ترى داود لو اقتصر على ما يقتصر عليه أهلُ العلم لظننت أنه يكمد أهل البدع لما عنده من البيان والآلة، ولكنه تعدّى، لقد قدم من نيسابور فكتب إلى محمد بن رافع، ومحمد بن يحيى، وعمرو بن زرارة، وحسين بن منصور، وجماعة بما أحدث هناك، فكتمت ذاك خوفا من عواقبه، فقدم بغداد، فكلم صالح بن أحمد أن يتلطف له في الاستئذان على أبيه، فقال: هذا كتب إلى محمد بن يحيى أنه زعم أن القرآن محدث فلا يقربني”.

فهذا داود كان من كبار علماء الحديث، وله مؤلفات كثيرة في السنة، وإليه انتهت رياسة العلم في بغداد، ومع هذا كله لما قال القرآن محدث (أي مخلوق) بدّعه أهل السنة، وما حمل كبار أهل السنة مجمله على مفصله؛ لأنه كان سلفياً، كما يقوله غلاة المداهنين وغلاة التمييع والتضييع.

 

وجاء داود إلى الإمام أحمد معتذراً ومنكراً أنه قال بهذه البدعة، فلم يصدقه، ولم يأذن له بالدخول عليه.

فأين حمل المجمل على المفصل الذي اخترعه أهل الأهواء، ثم كفوا عنه، وحمل رايته أدعياء السلفية وحماة البدع وأهلها من غلاة التمييع؟؟

وهؤلاء أئمة السنة يؤلفون عشرات المجلدات في الجرح والتعديل، وهي مليئة بجرح أهل البدع والضعفاء والكذابين، ولا تجد أثراً لهذا المنهج البدعي، ولم يعارضهم لا أهل السنة ولا أهل البدع بهذا المنهج الباطل الذي اخترع في هذا العصر للدفاع عن أهل الضلال.

فإذا كان هذا المنهج يمثل العدل فإنه يلزم عليه بأن سلفنا الصالح من محدثين وفقهاء ومؤلفين في العقائد وغيرها كانوا أهل ظلم وغلو، حاشاهم ثم حاشاهم، وكبت الله خصومهم المخالفين لمنهجهم وأصولهم وكافأهم بما يستحقون.

 

قال الحلبي:

” قال الإمام البخاري في (صحيحه):

– بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِالله»، وَأَنَّ المَعْرِفَةَ فِعلُ القَلْبِ؛ لِقَولِ الله -تعالى-:

(وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلوبُكُم).

– حَدَّثَنَا مُحَمّدُ بنُ سَلَّام، قال: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عن هِشام، عن أبيه، عن عائشةَ، قالَت: كان رسولُ الله –صلى الله عليه وسلم- إذا أَمَرَهُم، أَمَرَهُم مِن الأعمالِ بما يُطِيقُون، قالوا: إنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ -يا رسولَ الله-، إنَّ اللهَ قد غَفَرَ لكَ ما تقدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ، فيَغْضَبُ حتَّى يُعْرَفَ الغَضَبُ في وَجْهِهِ، ثُمَّ يقولُ: «إنَّ أتقاكُم وأعْلَمَكُم بالله أنا».

أقول:لقد استدل الإمام البخاري بالآية والحديث على صحة قوله: “المعرفة فعل القلب”.

وأنت ترى أن قوله باطل فلماذا لم تناقشه وتسق الأدلة على بطلان قوله وصواب اعتراضك عليه، ولا ندري لماذا أوردت كلام ابن عثيمين الآتي:

“”هذا ممَّا لا شكَّ فيه؛ فرسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أعلمُنا بالله، وإذا كان -صلى الله عليه وسلم- هو أعلمَنا بالله فهو أشدُّنا إيماناً به؛ لأنَّهُ كُلَّما قَوِيَت المعرفةُ بالله قوِيَ الإيمانُ به.

والمُرادُ هُنا: المعرفةُ المَبنيَّةُ على التَّعظيمِ، وعلى الاحترامِ، لا المعرفةُ المَبنيَّةُ على التَّشخيص، والتَّجزئة-وما أشبهَ ذلك ممَّا قد يَرِدُ على بعضِ طلبةِ العِلْمِ-.

فهؤلاءِ إذا مَرَّ عليهِم صِفاتُ الله قامُوا يُفَتِّتُونَهُ كأنَّما يُشَرِّحُونَ جَسَدَ آدَمِيٍّ -نسألُ اللهَ العافيةَ-.

هذا لا يزيدُ القَلْبَ إيماناً، بل إنَّكَ لو رَجَعْتَ إلى إيمانِ مِثلِ هذا الصِّنْفِ مِن النَّاسِ: لَوَجَدْتَ أنَّ إيمانَ العَجوزِ أقوَى منهُ، وخيرٌ مِنهُ في التَّعظيمِ.

فالمُرادُ هُنا: المعرفةُ المبنيَّةُ على المحبَّةِ، والتَّعظيمِ، والاحترامِ، والهَيْبَةِ مِن الله -عزَّ وجلَّ-، واحترامِ جَنَابِهِ -سُبحانَهُ وتعالى-، فهذِهِ هي التي تَزيدُ في الإيمانِ؛ لأنَّهُ كُلَّمَا قَوِيَت معرفتُك بالله ومَعانِي صفاتِهِ -عزَّ وجلَّ-: ازْدَدْتَ مَحبَّةً له، وإذا ذَكَرْتَ أوصافَ الإحسانِ، والإنعامِ منهُ -سُبحانَهُ- على خَلْقِهِ : ازْدَدْتَ مَحبَّةً له -عزَّ وجلَّ-، وإذا ذَكَرْتَ أوصافَ السُّلطان والعَظَمَةِ: ازْدَدْتَ خَوفاً منهُ، فتَجْمَعُ في سَيْرِكَ إلى الله بَيْنَ الخوفِ والرَّجاءِ”.

 

فهل في كلام ابن عثيمين اعتراض على الإمام البخاري؛ لأنه عرف بطلان كلام الإمام البخاري كما عرفته أنت؟ وهل في كلام ابن عثيمين -رحمه الله- تأكيد لكلام شيخ الإسلام الذي ذمَّ فيه المرجئة وكشف عوارهم فسقتَهُ للتأكيد ولبيان عمق فهمك، بيِّن لنا ذلك؟

فإن القارئ لا يفهم من كلام ابن عثيمين إلا احترام كلام البخاري وإقراره وشرحه وبيان ما يقتضيه كلام البخاري واستدلاله على قوله بالآية الكريمة والحديث الشريف.

 

ثم تعليقك على كلام العلامة ابن عثيمين بقولك:

” قلتُ:

هكذا العلم من أهل العلم في أهل العلم..

وهذا هو الموقف الحق نحو أهل الحق..”.

هل تريد بهذا الكلام تأكيد أن ابن عثيمين فهم أن كلام البخاري من جنس كلام غلاة المرجئة لكنه انطلاقاً منه من حمل المجمل على المفصل قال هذا الكلام الرائع الذي لم يشر فيه أدنى إشارة إلى بطلان كلام البخاري كما تعتقد أنت بطلانه، إن كنت تعتقد ذلك في ابن عثيمين وكلامه فبيِّن ذلك ووضحه لنا من كلامه نفسه، فأنا أعترف بالعجز عن إدراك ما أدركتَهُ أنت من كلام العلامة ابن عثيمين –رحمه الله-.

فإنك قلت: “فهذا الحق ليس به خفاءُ *** فدعني من بنيّات الطريقِ”.

فبيِّن للقراء هذا الحق الذي لم يخف عليك؟

وإلا فدعنا من بنيات الطريق.

وأخيراً فأهل السنة من عهد البخاري إلى يومنا هذا لم يفهموا من كلام البخاري ما فهمه هذا الحلبي الذي يرى كثيراً وكثيراً الحق باطلاً والباطل حقاً، يرافق ذلك منه العناد والمكابرة في حقائق واضحة وضوح الشمس،ولكنها تخفى على العميان.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

كتبه

ربيع بن هادي عمير المدخلي

27/3/1433هـ

الرابط: https://rabee.net/?p=150

thumbnail-4
thumbnail-3
thumbnail-2