أقوال العلماء في جماعة التبليغ   موقف الإسلام من عيسى ـ عليه السلام   توضيح   دفع أكذوبة المجالس السرية   تقديم الشيخ ربيع لكتاب: سُلوان السَّلَفِي عند كَيدِ الخَلَفي   حكم بناء الكنائس في بلاد المسلمين   الرد على الدكتور عباس شومان   تعليقات على طعونات الشيخ محمد بن هادي في أناس أبرياء مما يصفهم به   منزلة إصلاح ذات البين في الإسلام   نصيحة للسلفيين في الجزائر بالاجتماع وعدم الافتراق   دحر مغالطات الحجوري ودفع مخالفاته في كتابه الإجابة (الحلقة الثالثة)   دحر مغالطات الحجوري ودفع مخالفاته في كتابه الإجابة ( الحلقة الثانية )   دحر مغالطات الحجوري ودفع مخالفاته في كتابه الإجابة ( الحلقة الأولى )   مؤاخذات على شيخ الجامع الأزهر أحمد الطيب ( الحلقة الثالثة )   لا يا شيخ الأزهر، يجب عليك أن تسلك مسلك العلماء في إدانة ابن عربي في تصريحاته بوحدة الوجود ( الحلقة الثانية )   مؤاخذات على شيخ الجامع الأزهر أحمد الطيب ( الحلقة الأولى )   الخيانات والغدر من شر أنواع الفساد في الأرض   كلام أئمة الإسلام حول أحاديث الشفاعة التي لايرفع الخوارج الحدادية بها رأساً.   تحذير أهل السنة السلفيين من مجالسة ومخالطة أهل الأهواء المبتدعين   استهداف الروافض الحوثيين مكة المكرمة بصاروخ باليستي إنما هو امتداد لأعمال أسلافهم القرامطة الباطنية   بيان بطلان دعاوى أهل مؤتمر الشيشان   تصريحات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بتواتر أحاديث الشفاعة وأنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان   وضوح البرهان يدمغ مخالفات عادل آل حمدان – الحلقة الأولى   أحاديث الشفاعة محكمة وليست من المتشابه كما يقول ذلك الخوارج الجدد؛ فيجب التسليم بها واعتقاد ما دلت عليه.   نصيحة للمسلمين عمومًا والسلفيين خاصة، في ليبيا وغيرها من البلاد الإسلامية.   أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون   توجيه العلامة ربيع المدخلي، لبعض الشباب في المغرب العربي الذين ينكرون بعض بدع المقابر، ويترتب على ذلك مشاكل كبيرة   التكلف في قراءة القرآن أنكره أئمة السلف رحمهم الله   دحض أباطيل عبد الحميد الجهني التي أوردها في كتابه المسمى زورًا بالرد العلمي – الحلقة الخامسة   العقيدة الباطنية عند أئمة الرفض وانطلاقهم منها في تفسير كتاب الله ( نسخة مزيدة )

بيان الجهل والخبال في مقال حسم السجال رد على المسمى بـِ “مختار طيباوي” “الحلقة الثالثة”

شارك عبر

https://rabee.net/?p=132

 

“الحلقة الثالثة”

 

من بيان الجهل والخبال في مقال حسم السجال

 

رد على المسمى بـِ “مختار طيباوي”

 

 

هدم أباطيل وتعصب وجهالات الطيباوي وبيان بعض تناقضاته الشنيعة.

 

رابعاً- قال المحتار في (ص 2-3): “وقد أوضح الشيخ صالح الفلاني هذا الأمر بصورة واضحة و جلية في كتابه (إيقاظ همم أولي الأبصار للإقتداء بسيد المهاجرين والأنصار)(1/28) حيث قال:

 

((مما قاله أبو السمح: فلقد طفت من أقصى المغرب، ومن أقصى السودان إلى الحرمين الشريفين فلم ألق أحدا يسأل عن نازلة فيرجع إلى كتاب رب العالمين وسنة سيد المرسلين، وآثار الصحابة والتابعين إلا ثلاثة رجال، وكل واحد منهم مقموع محسود يبغضه جميع من في بلده من المتفقهين، وغالب من فيه من العوام والمتسمين بسيم الصالحين، وموجب العداوة والحسد: تمسكهم بالكتاب، وسنة إمام المتقين صلى الله عليه وسلم، ورفضهم كلام الطائفة العصبية والمقلدين.)).

 

ثم ضرب أمثلة، و قال: ((فترى كل واحد منهم يعظم إمامه المجتهد تعظيما لا يبلغ به أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا وجد حديثا يوافق مذهبه فرح به وانقاد له وسلم ،وإن وجد حديثا صحيحا سالما من النسخ والمعارض مؤيدا لمذهب غير إمامه فتح له باب الاحتمالات البعيدة، وضرب عنه الصفح والعارض ويلتمس لمذهب إمامه أوجها من الترجيح مع مخالفته للصحابة والتابعين والنص الصريح، وإن شرح كتاباً من كتب الحديث حرف كل حديث خالف رأيه الحديث وإن عجز عن ذلك كله ادعى النسخ بلا دليل، أو الخصوصية، أو عدم العمل به أو غير ذلك مما يحضر ذهنه العليل، وإن عجز عن ذلك كله ادعى أن إمامه اطلع على كل مروي أو جله فما ترك هذا الحديث الشريف إلا وقد اطلع على طعن فيه برأيه المنيف، فيتخذ علماء مذهبه أربابا، ويفتح لمناقبهم وكراماتهم أبوابا، ويعتقد أن كل من خالف ذلك لم يوافق صوابا، وإن نصحه أحد من علماء السنة اتخذه عدوا، ولو كانوا قبل ذلك أحبابا.

 

وإن وجد كتابا من كتب مذهب إمامه المشهورة قد تضمن نصحه، وذم الرأي والتقليد، وحرض على اتّباع الأحاديث المشهورة نبذه وراء ظهره، وأعرض عن نهيه وأمره، واعتقده حجرا محجورا، وجعل مختصرات المتأخرين سعيا مشكورا لتركهم الدليل، وتعصبهم للتقليد، واعتقادهم أنه الرأي السديد.

 

وشاهد ذلك كله أن تتأمل مذهب مالك فترى كتب علمائهم المتقدمين قد ملئت بالأدلة،وحشيت بذم المقلدين، كـ (المبسوط) للقاضي إسماعيل، و(المجموعة) لابن عبدوس، و(التمهيد) لابن عبد البر، و(الطراز) لسند بن عنان.

 

وقد نبذها المتأخرون وراء ظهورهم، وأقبلوا كل الإقبال على ما ابتدعه المتأخرون من حذف الدليل في مختصراتهم، وأولعوا بالتقليد بلا دليل لاعتقادهم أن الاشتغال به عناء وتطويل، إنا لله وإنا إليه راجعون)).

 

قلت :فكل ما قاله الفلاني موجود في كثير من أتباع الشيخ ربيع، و قد يحملون لك حقدا في باطنهم ،وهذا أمر مفهوم إذ عانى منه المتقدمون كالشافعي ،بل قال بعض الشافعية أظنه ابن النقاش: ((الناس اليوم رافعية لا شافعية، ونووية لا نبوية))،والحديث قياس.

 

وهذا حال من لم يعرف أقوال العلماء واختلافهم، ولم يعرف المدارك العقلية والمسالك المذهبية.

 

ولكن الإشكال عندما يقبله العلماء أو طلبة العلم كالبازمول و العتيبي و الظفيري و بعض أذنابهم، و يغذونه، ويشجعون عليه، و يبنون عليه أحكامهم في الناس فهؤلاء جهلة، و إن سمّوا زورا طلبة علم.

 

وعندما ننظر بعين العلم و العدل نجد أكثر تجريحات الشيخ ربيع قائمة في حقيقتها على العداوة لمخالفيه، وكذلك تزكياته جلّها ناجمة عن العصبية أو الحمية،ولا علاقة لها بأصول التعديل،كما بيّنته في مقال خاص[ـ يبدو أن هذا المقال قد هيّج القوم،فقد قام نائمهم ونام قائمهم، و بين النوم و القيام تجري الأيام،أصلح الله حالهم، وبدل جهلهم علما، وردهم إلى الصواب بلطف وحكمة إنه لطيف خبير.]”.

 

أقول:

استشهد المحتار بكلام العلامة الشيخ صالح الفلاني ونَقْلِهِ عن أبي السمح في ذم المقلدين المتعصبين الذين أعرضوا عن الكتاب والسنة وغلوا في أئمتهم وعظّموهم تعظيماً لا يبلغ به أحداً من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وردهم للأحاديث الصحيحة إذا خالفت مذاهبهم، إلى تفاصيل أخرى في ذم هؤلاء المقلدين المتعصبين .

 

استشهد هذا المحتار بهذا الكلام الذي تضمن بحق ذم المتعصبين المقلدين للأئمة المجتهدين ليتوصل به إلى ذم أهل الحق المتمسكين بكتاب ربهم وسنة نبيهم ومنهج سلفهم الصالح .

 

وأقول له: إنك لترمي زوراً أهل السنة والحق المتمسكين بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- بتقليد ربيع، وهذا من أعظم أنواع الظلم والإفك، وهذا والله داؤكم: “رمتني بدائها وانسلت”. 

 

ما هو التقليد؟

 

التقليد هو قبول قول الغير بغير حجة.

 

والسلفيون لا يقبلون الأقوال إلا إذا قامت على الحجج والبراهين.

 

وإنكم لتسمون الأشياء بغير أسمائها، وترمون الأبرياء بأدوائكم المهلكة.

 

فما هي أدلة الحلبي على رد الحق والإشادة بالضلالات الكبرى المعروفة؟

 

وهل من يتابعه يكون من المجتهدين أو المتبعين للحق، أو يكون من شر أنواع المتعصبين المقلدين؟ 

 

إني لا أعرف تقليداً أعمى شراً من تقليد أتباع رؤوس هذه الزمرة، التي أطلت برؤوسها الجاهلة المتعالمة من غير دور العلم والعلماء، فلا شيوخ لهم، ولا جامعات تخرجوا منها، ولا ندري في أي الأوكار والشوارع تعلموا، ولا سيما الأخلاق.

 

ومنها الكذب والخيانة والغش في الدين والتطاول على أهل السنة والحق من علماء وطلاب علم شرفاء، والخنوع والانقياد والتبعية الدنيئة لأهل الضلال، والاستماتة في الذب عنهم. 

 

أيها المحتار أنت ومن معك في التبعية العمياء من شر أنواع المقلدين في أسوء الضلالات والأباطيل. 

 

فمهما سقط رؤساؤكم ، ومهما انحدروا سقطتم وانحدرتم وراءهم، وإذا نعقوا بأي باطل قلدتموهم تقليد الببغاوات. 

 

فكم هي المسافات والمفاوز بينكم وبين المقلدين الذين انتقدهم الفلاني وأبو السمح وأبو شامة وابن تيمية وابن القيم وابن الوزير والصنعاني ومحمد بن عبد الوهاب ومدرسته. 

 

كم هي الفروق بين من يقلد العلماء، وبين من يقلد الأوغاد المتعالمين البائعين لدينهم، المحاربين للحق وأهله والمناضلين عن الباطل وأهله.

 

وهل أنت وأمثالك تُصَدَّقون في محاربتكم للتقليد، وأنتم في حضيض حضيض التقليد المخزي؟ 

 

وأقول: هذه كتابات ربيع وإخوانه تزخر بالحجج والبراهين في الدعوة إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومحاربة الهوى والتعصب والبدع والتقليد الأعمى، ومن يقول: إنهم مقلدون لربيع، فإنه والله من أكذب الكذابين، ولا سيما شيخك أبو الحسن الذي تقلده تقليد الببغاوات، فأنتم ممن يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا، فالمعروف عندكم منكر، والمنكر معروف، والحق باطل، والباطل حق، وأنكر المنكرات لا تنكرونها، بل تدافعون عنها. 

 

وإذا رأيتم أهل السنة يحترمون الحق ويحترمون الحجج والبراهين ويتعاونون على البر والتقوى ونصرة الحق ورد الأباطيل والضلالات رميتموهم بالتقليد والغلو والشذوذ و..و…

 

لقد نسي هذا المسكين أنه وأمثاله من المقلدين للسفلة الساقطين المتاجرين بدينهم والمدافعين عن الضلالات الكبرى أحق بهذا الذم الذي ذم به أبو السمح والفلاني مقلدة الأئمة المجتهدين.

 

والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إننا لا نعرف عن إخواننا إلا الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة والتمسك بمنهج السلف الصالح ومحاربة التعصب والتقليد الأعمى، والأخذ بقاعدة السلف: (كل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) ويحاربون الغلو حتى في الصحابة وأهل البيت بل حتى في الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسائر الأنبياء وأدلتهم نصوص الكتاب والسنة.

 

قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً)، [سورة النساء : 171].

 

وقال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ)، [سورة المائدة : 77].

 

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ” لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْد فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ”([1])، ونحوه من الأحاديث الناهية عن الغلو في العبادات والأشخاص.

 

ولا أسفه وأشد غلواً وأقبح تعصباً ممن يعظم المهازيل المدافعين عن الضلالات الكبرى وأهلها.

 

ويدافع عن الخرافيين والقبوريين ويعدهم من أهل السنة.

 

ويحارب أهل السنة ويصفهم بالأوصاف القبيحة ومنها التعصب والتقليد والغلو، وهذا من هذه الزمرة ومقلديها من أفجر الفجور وقول الزور.

 

وأذكرك بمدح شيخك للمذاهب، ومنها مذهب الروافض والخوارج وغلاة الصوفية، فهل أحد من هذه العصابة أنكر عليه هذا المدح وهذه الشهادة، التي هي من أعظم شهادات الزور، بل هل أنكرت أنت عليه ذلك، وما هو أسوأ منه؟

 

ثم أقول: إنه بعد أن نقل هذا المحتار كلام الفلاني في ذم المقلدين وكشْفِ تعصبهم لمذاهبهم وردهم لنصوص الكتاب والسنة ونبذهم لهذه النصوص وراء ظهورهم …الخ

 

قال هذا المحتار:

 

” قلت: فكل ما قاله الفلاني موجود في كثير من أتباع الشيخ ربيع، و قد يحملون لك حقدا في باطنهم ،وهذا أمر مفهوم إذ عانى منه المتقدمون كالشافعي ،بل قال بعض الشافعية أظنه ابن النقاش: ((الناس اليوم رافعية لا شافعية، ونووية لا نبوية))،و الحديث قياس.

 

وهذا حال من لم يعرف أقوال العلماء و اختلافهم، ولم يعرف المدارك العقلية و المسالك المذهبية.

 

ولكن الإشكال عندما يقبله العلماء أو طلبة العلم كالبازمول و العتيبي و الظفيري و بعض أذنابهم، و يغذونه، ويشجعون عليه، و يبنون عليه أحكامهم في الناس فهؤلاء جهلة، و إن سمّوا زورا طلبة علم”

 

أقول:

 

1- هات الأدلة والبراهين من أعمال ومواقف من تسميهم زوراً بأتباع ربيع على أنهم يردون نصوص الكتاب والسنة وينبذونها وراء ظهورهم.

 

وسق لنا عدداً من النصوص التي ردوها في العقائد والمناهج والعبادات وغيرها، وإلا فأنت من أهل الإفك المفترين.

 

2- وانظر إلى قوله: ” وهذا حال من لم يعرف أقوال العلماء و اختلافهم، ولم يعرف المدارك العقلية و المسالك المذهبية”.

 

أي أنه وزمرته ارتقوا إلى هذا المستوى الرفيع، وأما ربيع وإخوانه فجهال لا يعرفون شيئاً مما ذكر، وأقول له ولأمثاله المثل المشهور: “رمتني بدائها وانسلت”، وأتمثل بقول الشاعر: يشمر للج عن ساقه ويغمره الموج في الساحل

 

فهل يعقل أن يرتفع إلى هذا المستوى من لا يُدرى من أي الأوكار والشوارع تخرجوا.

 

ولا يصل إليه من درسوا الشريعة الإسلامية ولغتها وآلاتها من المراحل الابتدائية ثم المتوسطة ثم الثانوية ثم الجامعية ثم الدراسات العليا وحَمْل شهادتها العليا عن طريق كبار العلماء.

 

أي استكبار وحقد يحمله هذا الرجل على علماء المنهج السلفي؟

 

أليس الكِبر غمط الناس ورد الحق؟ فهو يرى هؤلاء النخبة التي أفنت حياتها في طلب العلم من مناهله جهلة ومقلدين.

 

ويرى نفسه في قمة المجتهدين، وهو في أحط دركات المقلدين للفاشلين، خريجي الأوكار والشوارع، ولذا فهو يحقد على أهل العلم الصحيح والمنهج الصحيح.

 

فهو وأمثاله من أشباه من قال الله فيهم: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) [سورة الأحقاف : 11].

 

فالكفار ينتقصون المؤمنين وينتقصون القرآن منبع العلوم.

 

وهؤلاء ينتقصون العلماء وعلمهم بالكتاب والسنة، فيرمونهم بالجهل وبالتقليد.

 

ويضرب الناس لهذا الصنف مثلاً، وهو أن قرداً أراد أن يتناول عنقوداً من العنب، فعجز عنه ولم يلحقه، فقال: إنه حامض.

 

خامساً-قال مختار في (ص3):

 

“قال السرخسي في أصوله (2/11): ” وأما الطعن المفسر بما يكون موجبا للجرح، فإن حصل ممن هو معروف بالتعصب أو متهم به لظهور سبب باعث له على العداوة، فإنه لا يوجب الجرح، وذلك نحو طعن الملحدين والمتهمين ببعض الأهواء المضلة في أهل السنة، وطعن بعض من ينتحل مذهب الشافعي ـ رحمه الله ـ في بعض المتقدمين من كبار أصحابنا، فإنه لا يوجب الجرح لعلمنا أنه كان عن تعصب وعداوة”.

 

قال هذا المحتار معلقاً على كلام السرخسي :

 

“وعليه، فإن هؤلاء ولو جرحوا جرحا مفسرا أو مشروحا بمئات المجلدات، وأقسموا عليه اليمين المغلظة لا يقبل منهم، وقد بانت منهم العداوة لمخالفيهم فتركوا الأدلة وأقبلوا على الكذب والإشاعة وتشييخ المجاهيل الجهال حتى عند أمهاتهم وآبائهم، فكيف نقبل قول هؤلاء في الناس، وقولهم في شعرة لا يسوى بعرة!”.

 

أقول: 

 

1- لقد بلغت نهاية العناد والاستكبار، وتجاوزت حدود الشرع والحق في الاستعلاء ورفض الحق.

 

2- إن السرخسي من كبار الأحناف وهم معروفون بالتعصب لأقوال أبي حنيفة.

 

وقوله ” وذلك نحو طعن الملحدين والمتهمين ببعض الأهواء المضلة في أهل السنة”. 

 

هذا حق، فلا يقبل طعن الملاحدة والمتهمين ببعض الأهواء المضلة في أهل السنة.

 

وأما قوله : ” وطعن بعض من ينتحل مذهب الشافعي -رحمه الله- في بعض المتقدمين من كبار أصحابنا، فإنه لا يوجب الجرح لعلمنا أنه كان عن تعصب وعداوة” . 

 

فهذا القول فيه نظر، لأن فيه تعصباً على الشافعية، ولو كان متجرداً من التعصب لبدأ بمتعصبي الحنفية، فإنهم أشد تعصباً سابقاً ولاحقاً أكثر من الشافعية وغيرهم وأكثر مخالفة للنصوص من سائر أهل المذاهب المنتسبة إلى السنة، فلو كان متجردًا لمثَّل بهم للتعصب الأعمى .

 

حتى لقد قال قائلهم :

 

فلعنة ربنا أعداد رمل على من رد قول أبي حنيفة

 

وقال شاعر آخر متعصب :

 

إن الذين بجهلهم لم يقتدوا بمحمد بن كرام غير كرام

 

الفقه فقه أبي حنيفة وحده والدين دين محمد بن كرام

 

وكثير من الأحناف إن لم يقلها بلسانه يقولها بلسان حاله.

 

فلماذا يرمي السرخسي الشافعية وحدهم بالتعصب ويرد طعنهم في زعمه ولا يعرج على من هو أشد منهم تعصباً ورداً للنصوص، وكتبهم تشهد بذلك؟

 

3- وتنـزيلك كلام السرخسي على السلفيين وطعنك فيهم ومبالغتك في إسقاطهم وإسقاط أقوالهم يشبه طعن الملاحدة في أهل السنة، وأما التهمة بالهوى فإليك وإلى زمرتك المنتهى في الهوى والكذب والغش والتدليس وقلب الحقائق وجعل الباطل حقاً والحق باطلاً، فأنتم من أحق الناس أن ينـزل عليكم هذا الكلام.

 

ويذكرنا موقف هذا الحاقد المنطوي على الكذب والتعصب الأعمى للباطل وأهله بقول أئمة السنة: “من علامات أهل البدع الطعن في أهل السنة”، وأقوال شديدة لأهل السنة فيمن طعن في أهل السنة، وما رأيت في أهل الأهواء أشد عداوة وطعناً في أهل السنة وفي منهجهم من هذه الزمرة .

 

ومن أساسيات أهل السنة الولاء والبراء الذي منه الحب في الله والبغض فيه ومن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض فيه.

 

وهذه الزمرة تتولى أهل البدع الكبرى وتدافع عن بدعهم بكل حماس، وتؤصل الأصول الباطلة للذب عنهم ولحرب أهل السنة فبأي ميزان يكونون من أهل السنة؟

 

4- وقولك: ” وعليه، فإن هؤلاء ولو جرحوا جرحا مفسرا أو مشروحا بمئات المجلدات، و أقسموا عليه اليمين المغلظة لا يقبل منهم، و قد بانت منهم العداوة لمخالفيهم فتركوا الأدلة و أقبلوا على الكذب و الإشاعة و تشييخ المجاهيل الجهال حتى عند أمهاتهم وآبائهم ،فكيف نقبل قول هؤلاء في الناس، و قولهم في شعرة لا يسوى بعرة!”.

 

أقول: 

 

أ- إن هذا الكلام قد تجاوز نهايات الكذب والفجور والمكابرة.

 

فأهل السنة ما تكلموا في هذه العصابة الباغية المأجورة المتأكلة بدينها إلا بالأدلة والبراهين التي تدل على بطلان أصولهم الفاسدة، ودفاعهم الباطل عن الضلالات الكبرى، وعن ضلال مرتكبيها.

 

وكل منصف وصاحب دين وخلق يعترف بصدق أهل السنة وأمانتهم، ويعترف بصحة استدلالهم، ويعترف ببطلان دفاع هؤلاء المأجورين الأفاكين وتلبيساتهم وسوء سلوكهم في مقاومة الحق والصدق وردهما.

 

ب- لا يحتاج الذكي المنصف في كشف ضلالهم إلى مئات المجلدات، ولا إلى الأيمان المغلظة، فالذكي يستفيد من المثال الواحد ما لا يستفيده الغبي من ألف شاهد.

 

وما أشبه تكذيبك للحق وأهله بمن قال الله فيهم: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ)، [سورة الأنعام : 111].

 

فهؤلاء كذبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكذبوا كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنـزيل من حكيم حميد.

 

فلا يستغرب أن يكون لهم أشباه ونظراء يكذبون بالحق والصدق وأدلته وبراهينه، ولو بلغ -على حد قوله-: “مئات المجلدات”. 

 

وإذا كان بغض أهل الحق لأهل الأهواء يبطل أقوالهم وحججهم، فيلزمك أن تبطل أقوال الرسل في أقوامهم المكذبين لهم، وتبطل حججهم، ولا سيما إبراهيم ومن معه، الذين قالوا لأعدائهم: (إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ..)، [سورة الممتحنة : 4].

 

ويلزمك أن تبطل حجج أهل السنة على الروافض وغيرهم من أهل الأهواء، ويلزمك إبطال كل ما نسبوه إلى هؤلاء الضلال من عقائد باطلة وأقوال فاجرة، وإبطال حججهم وبراهينهم. 

 

وهكذا يفعل الهوى بأهله يهوي بهم إلى أحط الدركات.

 

جـ- إن عداوة وبغض أهل الحق لأهل الباطل والمنكرات لأمر مشروع، ومن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض فيه.

 

وعداوة أهل البغي والباطل للحق وأهله من أعظم الجرائم، ومن أوضح علامات أهل الزيغ والهوى.

 

سادساً- قال مختار في (ص4):

 

“من المعلوم أن التناقض جائز على العلماء، وهو من الاضطراب الناشئ عن عدم طرد الأصول، أو عن الوهم والنسيان، أو عن التزام القواعد العلمية الباطلة. 

 

والتناقض يدل بداهة على بطلان أحد القولين المتناقضين، ومع ذلك فهو أيسر على أهل العلم من مخالفة الضرورة، والتناقض قد يكون سائغا لا يعبر إلا عن آدمية المتناقض، ولكنه في حال آخرين يدل على عظيم الجهل والبغي، وشدة العداوة.

 

وممن لا يعقل نظير تناقضهم في القواعد العلمية الشيخ ربيع أحسن الله إليه وختم لنا وله بخير. 

 

ومعلوم أنه لا يوجد بشر غير نبي يسلم من التناقض، و لذلك كان دفع التناقض عن الشرع ضرورة بالنسبة لأهل العلم، بخلاف تناقض أهل العلم فإننا لسنا ملزمين بدفعه ،وإن كان من باب العدل أن نحمل كلامهم بعضه مع([2]) بعض بحيث ينتفي عنهم التناقض البشع أو الهادم لأصولهم الكلية.

 

ولكن في كلام الشيخ ربيع من التناقض و الفساد ما فاق به كل ما يحتمل من تناقض في غيره من علماء السنة، و لذلك استحال دفعه عنه -عند حاشيته- إلا بالكذب، و إنكار الحقائق الثابتة”.

 

التعليق على هذا الكلام : 

 

1- يفتري هذا الرجل ما يدعيه من تناقض ربيع، فأوقعه الله في الحفرة التي حفرها للأبرياء وعاقبه بنقيض قصده. 

 

قال: “… لذلك كان دفع التناقض عن الشرع”.

 

وهذا تعبير رديء، فالشرع ليس فيه تناقض أبداً، قال تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً)، [سورة النساء : 82].

 

وإنما يتوهم التناقض فيه أهل الضلال والإلحاد فيدفع توهمَهم وإيهامَهم وتشكيكَهم العلماء الربانيون بالحجج والبراهين، فلو كان هذا الرجل يفهم لقال: “…لذلك كان دفع توهم وإيهام التناقض عن الشرع ضرورة …الخ

 

وقال: “من المعلوم أن التناقض جائز على العلماء، وهو من الاضطراب الناشئ عن عدم طرد الأصول، أو عن الوهم والنسيان، أو عن التزام القواعد العلمية الباطلة”.

 

ثم صرّح بقوله: “فإننا لسنا ملزمين بدفعه” ، أي التناقض.

 

ثم هدم هذا كله بقوله: ” وإن كان من باب العدل أن نحمل كلامهم بعضه مع([3]) بعض بحيث ينتفي عنهم التناقض البشع أو الهادم لأصولهم الكلية”. 

 

أقول:

أليس هذا الاضطراب الشنيع من هذا الرجل تناقضاً؟

 

فمرة ينفي وجوب دفع التناقض عن كلام العلماء.

 

ومرة أخرى يوجب دفع التناقض عن كلام العلماء بقوله:

 

” وإن كان من باب العدل أن نحمل كلامهم بعضه مع بعض”.

 

فالعدل واجب، قال تعالى: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)،[ الحجرات: 9].

 

وقال تعالى: (إنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، [سورة النحل : 90].

 

وقال تعالى: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، [سورة المائدة : 8].

 

فالعدل واجب مع القريب والبعيد والصديق والعدو ولو كان كافراً، فإذا كنت تعتقد وجوب حمل كلام العلماء المجمل على مفصله، فلماذا تقول: فإننا لسنا ملزمين بدفع تناقضهم؟

 

فالرجل متناقض جداً، لقد مشى مع الحق والفطرة في تقرير وجود التناقض في كلام البشر، ومنهم العلماء، وأنه لا يلزم دفع تناقض كلام العلماء.

 

ثم نكص على عقبيه، فقال هادماً ما بناه: “وإن كان من باب العدل أن نحمل كلامهم بعضه مع بعض”.

 

فاعجبوا لهذا التناقض الشنيع.

 

2- ما نسبه إلى ربيع فيه مبالغة في الكذب والتشويه، ومبالغة في البغي والعدوان؛ الأمور التي لا تصدر إلا من قلب قد أنهكه الهوى والبغي والحقد الأسود والبغض للحق وأهله. 

 

3-لم يمثل المحتار لتناقض ربيع، وهذا من أوضح الأدلة أنه قد بلغ نهاية الكذب والبهت.

 

وتوضيحاً لكلامه نقول : معلوم أن التناقض اختلاف مقالتين بالنفي والإثبات، فإذا قال العالم مرة في لباس المرأة الذهب المحلَّق: إنه حلال، وفي مناسبة أخرى قال: إنه حرام، كان هذا منه تناقضاً؛ لأنه تارة يثبت أنه حلال، وتارة ينفي هذا الحكم وهو الحِلِّية.

 

أو قال في النبيذ تارة: إنه حلال، وتارة قال : إنه حرام، صار متناقضاً، أو قال في الجهمية مرة: إنهم مسلمون، وقال مرة أخرى: إنهم كفار، فهذا تناقض؛ لأنه تارة يثبت إسلامهم، وتارة ينفيه .

 

ومن الهوى والجنون أن يحمل كلام من يقع في هذا التناقض بعضه على بعض، بل يقال هذا القول صواب وذاك خطأ.

 

ثم إن هذا الرجل ينسب ربيعاً إلى التناقض الذي “فاق به كل ما يحتمل من تناقض في غيره من علماء السنة، ولذلك استحال دفعه عنه – عند حاشيته- إلا بالكذب، وإنكار الحقائق الثابتة”.

 

أقول:

ولا أدري ما هو تناقضي هذا الذي يستحيل دفعه في العقائد أو في المنهج أو في غيرهما؟ وهل أنا معذور عند الله في هذا التناقض أو غير معذور؟ وبعبارة أخرى هل ربيع من أهل الأهواء فلا يعذر في تناقضه؟؛ لأنه صدر عن هوى، ومن كان كذلك فإن صاحبه مأزور غير مأجور ولا معذور. 

 

وهذا الرجل لم يسلك مسالك أهل العلم والنصح في نصحه وجرحه فهو يسوق التهم جزافاً ويبالغ في هذه المجازفة والطعن والتجهيل، فتراه يقول : “والتناقض قد يكون سائغا لا يعبر إلا عن آدمية المتناقض، ولكنه في حال آخرين يدل على عظيم الجهل والبغي، وشدة العداوة. وممن لا يعقل نظير تناقضهم في القواعد العلمية الشيخ ربيع أحسن الله إليه وختم لنا وله بخير”. 

 

ويؤكد هذا الاتهام، فيقول : “ولكن في كلام الشيخ ربيع من التناقض و الفساد ما فاق به كل ما يحتمل من تناقض في غيره من علماء السنة، ولذلك استحال دفعه عنه- عند حاشيته- إلا بالكذب، و إنكار الحقائق الثابتة” .

 

وبهذا القول الفاجر يكون ربيع قد فاق في التناقض عتاة أهل البدع، بل لعله فاق أهل الكفر.

 

ولا أدري هل هذا الرجل قد أدرك واستوعب بنفسه هذه التناقضات أو أخذها من عالم الخيال أو من فجور أبي الحسن في إلزاماته الباطلة لربيع، فإذا ساق ربيع نصوص سادة أبي الحسن من القائلين بوحدة الوجود، أو الدعاة إلى وحدة الأديان وحرية الأديان وأخوة الأديان ألزمه بمجرد سوقه لنصوص كلامهم بالتكفير ويقول إما أن تكفرهم وإلا فأنت متناقض .

 

هذا بالإضافة إلى خياناته فيما ينقله من كلام ربيع، وعلى كل حال أنا لا أدعي العصمة لنفسي ولا لكبار العلماء من الوقوع في التناقض والخطأ.

 

فقد يكون للعالم المخلص المريد للحق المتجرد من الهوى اجتهاد في مسألة أو مسائل مما يسوغ الاجتهاد فيه، فيقع منه تناقض أو خطأ في اجتهاداته، فمثل هذا العالم المخلص يؤجر فيما أصاب فيه أجران وفيما أخطأ فيه أجر واحد في مقابل اجتهاده، ويعذر في خطئه.

 

وأما أهل الأهواء فلا يعذرون في أخطائهم ولا في تناقضاتهم؛ لأنهم إنما يتبعون أهواءهم .

 

وأنا أطلب من كل عالم مخلص أو طالب علم مدرك ومخلص إذا وجدوا لي أخطاء أو تناقضات في مؤلفاتي وأشرطتي أن يقدموها لي حتى أتراجع عن هذه الأخطاء والتناقضات قبل أن يتوفاني الله، وأسأل الله الثبات على الحق وأن يحسن خاتمتي، وأرفض أراجيف وافتعالات هذا المحتار .

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في التناقض وأقسام أهله وأحكامهم:

 

“وهذا الاختلاف في عين المسألة أو نوعها من العلم قد يسمى تناقضا أيضا. لأن التناقض اختلاف مقالتين بالنفي والإثبات. فإذا كان في وقت قد قال: إن هذا حرام. وقال في وقت آخر فيه أو في مثله: إنه ليس بحرام، أو قال ما يستلزم أنه ليس بحرام فقد تناقض قولاه، وهو مصيب في كليهما عند من يقول: كل مجتهد مصيب، وأنه ليس لله في الباطن حكم على المجتهد غير ما اعتقده. 

 

وأما الجمهور الذين يقولون: إن لله حكما في الباطن، علمه في إحدى المقالتين ولم يعلمه في المقالة التي تناقضها، وعدم علمه به مع اجتهاده مغفور له، مع ما يثاب عليه من قصده للحق واجتهاده في طلبه. ولهذا يشبه بعضهم تعارض الاجتهادات من العلماء بالناسخ والمنسوخ في شرائع الأنبياء، مع الفرق بينهما بأن كل واحد من الناسخ والمنسوخ ثابت بخطاب حكم الله باطنا وظاهرا، بخلاف أحد قولي العالم المتناقضين. 

 

هذا فيمن يتقي الله فيما يقوله، مع علمه بتقواه، وسلوكه الطريق الراشد. 

 

وأما أهل الأهواء والخصومات فهم مذمومون في مناقضاتهم لأنهم يتكلمون بغير علم، ولا حسن قصد لما يجب قصده. 

 

وعلى هذا فلازم قول الإنسان نوعان: 

 

أحدهما- لازم قوله الحق. فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، فإن لازم الحق حق، ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره. وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب. 

 

والثاني- لازم قوله الذي ليس بحق. فهذا لا يجب التزامه إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض. وقد بينتُ أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين، ثم إن عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له فقد يضاف إليه، وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه. لكونه قد قال ما يلزمه. وهو لم يشعر بفساد ذلك القول ولا يلزمه. 

 

وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب: هل هو مذهب أو ليس بمذهب؟ هو أجود من إطلاق أحدهما. فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله. وما لا يرضاه فليس قوله. وإن كان متناقضا. وهو الفرق بين اللازم الذي يجب التزامه مع لزوم اللازم الذي يجب ترك الملزوم للزومه. فإذا عرف هذا عرف الفرق بين الواجب من المقالات والواقع منها. وهذا متوجه في اللوازم التي لم يصرح هو بعدم لزومها. 

 

فأما إذا نفى هو اللزوم لم يجز أن يضاف إليه اللازم بحال، وإلا لأضيف إلى كل عالم ما اعتقدنا أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قاله، لكونه ملتزما لرسالته، فلما لم يضف إليه ما نفاه عن الرسول، وإن كان لازما له ظهر الفرق بين اللازم الذي لم ينفه واللازم الذي نفاه. ولا يلزم من كونه نص على الحكم نفيه للزوم ما يلزمه لأنه قد يكون عن اجتهادين في وقتين. 

 

وسبب الفرق بين أهل العلم وأهل الأهواء -مع وجود الاختلاف في قول كل منهما-: أن العالم قد فعل ما أمر به من حسن القصد والاجتهاد، وهو مأمور في الظاهر باعتقاد ما قام عنده دليله، وإن لم يكن مطابقا، لكن اعتقادا ليس بيقيني، كما يؤمر الحاكم بتصديق الشاهدين ذوي العدل، وإن كانا في الباطن قد أخطآ أو كذبا، وكما يؤمر المفتي بتصديق المخبر العدل الضابط، أو باتباع الظاهر. فيعتقد ما دل عليه ذلك، وإن لم يكن ذلك الاعتقاد مطابقا. فالاعتقاد المطلوب هو الذي يغلب على الظن مما يؤمر به العباد، وإن كان قد يكون غير مطابق، وإن لم يكونوا مأمورين في الباطن باعتقاد غير مطابق قط. 

 

فإذا اعتقد العالم اعتقادين متناقضين في قضية أو قضيتين، مع قصده للحق واتباعه لما أمر باتباعه من الكتاب والحكمة عذر بما لم يعلمه وهو الخطأ المرفوع عنا، بخلاف أصحاب الأهواء فإنهم (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس)، ويجزمون بما يقولونه بالظن والهوى جزما لا يقبل النقيض، مع عدم العلم بجزمه. فيعتقدون ما لم يؤمروا باعتقاده، لا باطنا ولا ظاهرا. ويقصدون ما لم يؤمروا بقصده ويجتهدون اجتهادا لم يؤمروا به. فلم يصدر عنهم من الاجتهاد والقصد ما يقتضي مغفرة ما لم يعلموه، فكانوا ظالمين، شبيها بالمغضوب عليهم، أو جاهلين شبيها بالضالين. 

 

فالمجتهد الاجتهاد العلمي المحض ليس له غرض سوى الحق. وقد سلك طريقه. وأما متبع الهوى المحض فهو من يعلم الحق ويعاند عنه.

 

وثم قسم آخر -وهم غالب الناس- وهو أن يكون له هوى. وله في الأمر الذي قصد إليه شبهة، فتجتمع الشهوة والشبهة. ولهذا جاء في حديث مرسل عن النبي e أنه قال: “إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات”. 

 

فالمجتهد المحض مغفور له، أو مأجور. وصاحب الهوى المحض مستوجب للعذاب، وأما المجتهد الاجتهاد المركب على شبهة وهوى فهو مسيء. وهم في ذلك على درجات بحسب ما يغلب وبحسب الحسنات الماحية. 

 

وأكثر المتأخرين من المنتسبين إلى فقه أو تصوف مبتلون بذلك”([4]). 

 

هذا هو كلام أهل العلم المنصفين الواعين، لا كلام أهل الجهل المتخبطين.

 

لقد جعل هذا الإمام المتناقضين أصنافاً كما ترى، ولا أرى زمرة هذا المحتار إلا من أصحاب الهوى المحض.

 

وأعود إلى شيء من كلام هذا الرجل لأبين تناقضه .

 

فقد صرح بقوله : ” و التناقض يدل بداهة على بطلان أحد القولين المتناقضين”. فقد صرَّح ببطلان أحد القولين المتناقضين .

 

ثم قال بعد قليل : “وإن كان من باب العدل أن نحمل كلامهم بعضه مع بعض بحيث ينتفي عنهم التناقض البشع أو الهادم لأصولهم الكلية”.

 

أليس هذا تناقضاً في سياق واحد؟

 

ثم أقول: فإذا قال الشخص كلاماً باطلاً تارة وكلاماً حقاً تارة أخرى فهل يجوز أن نحمل الباطل على الحق حتى يصيرا أمرًا واحداً وحقاً في الوقت نفسه أليس هذا قولاً باطلاً؟

 

فإذا أصدر هذا العالم فتوى بأن الحلف بغير الله جائز ثم أصدر فتوى أخرى بأن الحلف بغير الله لا يجوز وأنه شرك بالله وساق الأدلة على ذلك فقد وقع هذا العالم في التناقض في هذه المسألة .

 

فهل من العدل أن نحمل كلام هذا المفتي بعضه مع بعض كما يقول؟

 

أو نقول: إن فتواه الأولى بجواز الحلف بغير الله باطلة والثانية حق وما بعد الحق إلا الضلال.

 

أليس هذا الخبط من هذا الرجل يدل على أنه جاهل وصاحب هوى ؟

 

وسلوك العلماء من مختلف المذاهب هو أنه إذا كان للمجتهد قولان مختلفان في المسألة أن يرجحوا أحد القولين على الآخر وهذا الترجيح إنما يقوم على الأدلة، فكم للإمام أحمد والإمام الشافعي وغيرهما من الأقوال المختلفة ومعالجة هذا الاختلاف عند العلماء المنصفين إنما تكون بتقديم وترجيح ما قام عليه الدليل ولا يجوز عندهم العمل بالقول المرجوح ولا يسلكون مسلك أهل الأهواء في حمل بعض الأقوال المتناقضة على بعض كما ينادي أهل الأهواء بحمل المجمل على المفصل، ومنهم هذا الرجل .

 

فإذا قال إنسان بالحلول أو وحدة الوجود أو بتعطيل صفات الله أو قال بخلق القرآن وحملنا مجمله على مفصله، وادعينا أنه عالم وداعية ويؤمن بالله وهذا مفصله فلا يمكن تبديع أحد ولا تخطئة أحد ويصير الناس بهذا المنهج معصومين من الكبائر والصغائر وهذا المنهج مخالف لكتاب الله وسنة رسوله ومنهج أهل السنة والجماعة أن الناس غير الأنبياء من البشر -ومنهم العلماء- غير معصومين من الأخطاء وغير معصومين من المعاصي كبائرها وصغائرها.

 

عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني قال: أدركت أبا الدرداء ووعيت عنه، وأدركت شداد بن أوس ووعيت عنه، وأدركت عبادة بن الصامت ووعيت عنه، وفاتني معاذ بن جبل، فأخبرني يزيد بن عميرة أنه كان يقول في كل مجلس يجلسه:

 

“… فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة، اتقوا زيغة الحكيم، فإن الشيطان يُلقي على في الحكيم الضلالة وقد يقول المنافق كلمة الحق، قال: قلت لمعاذ: وما يدرينا يرحمك الله أن المنافق يلقي كلمة الحق؟ وأن الشيطان يلقي على في الحكيم الضلالة؟، قال: اجتنبوا من كلام الحكيم كل متشابه، الذي إذا سمعته قلت: ما هذا؟، ولا يثنيك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتَلَقَّ الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورا”([5]).

 

وقد قدمنا سلفاً قاعدة السلف: “كل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-“.

 

سابعاً- قال مختار في (ص4-5) :

 

“وإن كان التناقض اختلاف القضيتين بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق أحدهما كذب الأخرى، وإن العكس جعل الموضوع محمولا والمحمول موضوعا مع بقاء الصدق، كيف نعمل مع مذهب الشيخ ربيع في الموازنة ،والجرح المفسر فإنه من أشد أنواع التناقض؟!

 

فالشيخ ربيع أولا لا يعرف ما هو التناقض و التضاد، و لذلك لا يفرق بين أنواعه، ويقع فيه كثيرا، فمثلا عندما قال في شريط (ندوة وقفات في المنهج):

 

((وفي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- أننا نحب أهل البدع، يعني نحب منهم على قدر ما فيهم من الخير، ونكرههم بقدر ما فيهم من الشر، هذا الكلام لشيخ الإسلام رحمه الله، وجدنا في كلام السلف ما يخالفه، فقد نقل البغوي – رحمه الله- أن السلف اتفقوا من الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة الإسلام على بغض أهل البدع وهجرانهم ومنابذتهم، عرفتم هذا، فالأمر يحتاج إلى نظر، ولا ينبغي لمسلم أن يتعلق بكلام إمام لنصرة ما فيه من باطل، فكثير من أهل الأهواء يتعلقون بكلام شيخ الإسلام هذا، ويشهرونه سلاحاً في وجه من يدعو إلى السنة…)). 

 

فالشيخ ربيع بغض النظر عن عدم تحريره النقل عن ابن تيمية، فضلا عن فهم كلامه،ونقله ما لم يقله البغوي كما ستجده في المقال القادم عن الموازنة مشكلته في التناقض” .

 

التعليق :

 

1- أيها المجازف إن صغار طلاب العلم ليفهمون كلام شيخ الإسلام وكلام الإمام البغوي، فدع الأراجيف.

 

2- قولك : ” فالشيخ ربيع أولا لا يعرف ما هو التناقض و التضاد، و لذلك لا يفرق بين أنواعه، ويقع فيه كثيرا” .

 

أقول : ما أجرأك على الكذب وقول الزور.

 

لقد عرفتُ التناقض والتضاد والتباين من دراستي في المرحلة الثانوية أي قبل ما يربو على خمسين عاماً ولعله قبل أن يولد هذا المحتار ولا أبني أحكامي في النقد والجرح والتعديل إلا على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ومنهج السلف الصالح، وأتحرى في ذلك الصدق والعدل .

 

3- أن السلف الصالح من الصحابة فمن بعدهم بنوا نقدهم وجرحهم للرواة وأهل البدع على نصوص الكتاب والسنة ولغتهما العربية لا على المصطلحات الكلامية والمنطقية .

 

فكتاب الله وسنة رسوله هما الميزان للخير والشر والهدى والضلال والسنة والبدعة، الأمور التي يجهلها هذا المحتار وأمثاله الذين يتمردون على منهج السلف بجهلهم وأهوائهم وسفسطاتهم ودورانهم في فلك أهل الأهواء .

 

قال تعالى : (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) الآية .

 

فمن يتبع هدى الله يحفظه الله من الضلال والشقاء ومن يعرض عن ذكر الله ينزل به هذا الوعيد الشديد .

 

وقال تعالى : (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً) .

 

فمن يخالف سبيل المؤمنين والصحابة ومن اتبعهم بإحسان توعده الله بجهنم .

 

وقال تعالى : (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَالِمون)، (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الفاسِقون).

 

والأحكام في العقائد والعبادات والمعاملات والجرح والتعديل والسياسات على الأفراد والجماعات لابد أن تنطلق من الكتاب والسنة، ومن ينطلق في أحكامه من المنطق والفلسفة والكلام وغيرها من الضلالات فهو ضال مضل، ومن يرى أن أحكام أهل العلم بالكتاب والسنة لا تقبل منهم إلا أن يعتمدوا على تعريفات وحدود أهل الكلام والمنطق فهو محادٌّ لله غير مقتنع بالأحكام الشرعية القائمة على الكتاب والسنة وفقه السلف ومنهجهم .

 

أن هذا الطعن والتجهيل لربيع بدعوى أنه لا يعرف التناقض والتضاد إنما يتوجه إلى السلف الصالح الذين حاربوا الكلام والمنطق وضللوا أهلهما ولم يبنوا أحكامهم في المجالات كلها على الحدود المنطقية والكلامية التي ينطلق منها هذا الحائر ويُجهِّل من لا ينطلق منها .

 

لقد أجمع السلف على تحريم علم الكلام وذموه وأهله أشد الذم، ومن أقوال الإمام الشافعي: (لأن ألقى الله بكل ذنب ما عدا الشرك أحب إليّ من أن ألقاه بعلم الكلام)، وأما علم المنطق فقد كان يذمه حتى أهل الكلام حتى جاء الغزالي وأدخله في علم الأصول .

 

وألّف شيخ الإسلام كتابه “الرد على المنطقيين” هدم فيه أصول المنطق وبدد فروعه ومن كلامه في علم المنطق أنه “لا يحتاجه الذكي ولا يستفيد منه البليد” 

 

قال شيخ الإسلام في نقد الحدود المنطقية وغيرها:

 

“….الثالث إن الأمم جميعهم من أهل العلم والمقالات وأهل العمل والصناعات يعرفون الأمور التي يحتاجون إلى معرفتها ويحققون ما يعانونه من العلوم والأعمال من غير تكلم بحد منطقي. ولا نجد أحدا من أئمة العلوم يتكلم بهذه الحدود، لا أئمة الفقه ولا النحو ولا الطب ولا الحساب ولا أهل الصناعات مع أنهم يتصورون مفردات علمهم فعلم استغناء التصور عن هذه الحدود .

 

الرابع أنه إلى الساعة لا يُعلم للناس حد مستقيم على أصلهم بل أظهر الأشياء الإنسان وحده بـِ “الحيوان الناطق” عليه الاعتراضات المشهورة، وكذلك حد الشمس وأمثال ذلك، حتى إن النحاة لما دخل متأخروهم في الحدود ذكروا لـِ”الاسم” بضعة وعشرين حدا، وكلها معترض عليها على أصلهم، وقيل إنهم ذكروا لـِ”الاسم” سبعين حدا لم يصح منها شيء، كما ذكر ذلك ابن الأنباري المتأخر. والأصوليون ذكروا لـِ”القياس” بضعة وعشرين حدا، وكلها معترض على أصلهم، وعامة الحدود المذكورة في كتب الفلاسفة والأطباء والنحاة والأصوليين والمتكلمة معترضة على أصلهم؛ وإن قيل بسلامة بعضها كان قليلا، بل منتفيا، فلو كان تصور الأشياء موقوفا على الحدود لم يكن إلى الساعة قد تصور الناس شيئا من هذه الأمور؛ والتصديق موقوف على التصور، فإذا لم يحصل تصور لم يحصل تصديق: فلا يكون عند بني آدم علم في عامة علومهم وهذا من أعظم السفسطة”([6]) .

 

فدع السفسطة، واستح منها بدل أن تصول وتتطاول بها على أهل القرآن والسنة ومنهج السلف الصالح.

 

قال المختار الجاهل بمنهج السلف بل بالكتاب والسنة والبعيد عن آداب السلف وأخلاقهم ومنها توقير الكبار ومنها العدل والصدق .

 

قال : ” فالشيخ ربيع أولا لا يعرف ما هو التناقض و التضاد، و لذلك لا يفرق بين أنواعه، ويقع فيه كثيرا، فمثلا عندما قال في شريط (ندوة وقفات في المنهج):

 

((وفي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أننا نحب أهل البدع، يعني نحب منهم على قدر ما فيهم من الخير، ونكرههم بقدر ما فيهم من الشر، هذا الكلام لشيخ الإسلام رحمه الله، وجدنا في كلام السلف ما يخالفه، فقد نقل البغوي ـ رحمه الله ـ أن السلف اتفقوا من الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة الإسلام على بغض أهل البدع وهجرانهم ومنابذتهم، عرفتم هذا، فالأمر يحتاج إلى نظر، ولا ينبغي لمسلم أن يتعلق بكلام إمام لنصرة ما فيه من باطل، فكثير من أهل الأهواء يتعلقون بكلام شيخ الإسلام هذا، ويشهرونه سلاحاً في وجه من يدعوا إلى السنة…)). 

 

فالشيخ ربيع بغض النظر عن عدم تحريره النقل عن ابن تيمية، فضلا عن فهم كلامه،ونقله ما لم يقله البغوي كما ستجده في المقال القادم عن الموازنة مشكلته في التناقض” .

 

التعليق :

 

1- الرجل يدندن حول المجمل والمفصل ومنهج الموازنات ويوسع دائرتهما لتشمل كل طوائف الضلال من الروافض والخوارج وأهل وحدة الوجود، وهذا الأصل الذي يقرره لم يسبقه إليه إلا سادته الإخوان المسلمون وزمرته البائسة .

 

أو قل أحد أفاكي الإخوان المسلمين ولد منهج الموازنات وحمل المحمل على المفصل في أوائل القرن الخامس عشر الهجري على يد من أشرنا إليه .

 

وكل الفرق الإسلامية المنحرفة لم تعرف هذين المنهجين لرد هجمات أهل السنة على أباطيلهم وجماعاتهم ورؤسائهم ولرد حجج أهل السنة وبراهينهم بدون موازنات بين الحسنات والسيئات للأشخاص والكتب والجماعات ولا حمل المجملات على المفصلات حتى جاء هذا الإخواني فاكتشف حمل المجمل على المفصل ومنهج الموازنات لأننا في عصر الاكتشافات .

 

ونسي دعاة الإخوان المسلمين حمل المجمل على المفصل وتشبثوا بمنهج الموازنات، فتصدى لهم ربيع بن هادي فدَّك بنيانهم القائم على الشبهات والمجازفات والتحريفات، دكها بالحجج والبراهين النيرة من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في نقد الأفراد وفرق الضلال من المشركين واليهود والنصارى والمنافقين من أول كتاب الله إلى آخره ومن سنة رسول الله من أولها إلى آخرها لا تجد فيها للموازنات بين الحسنات والسيئات خبراً ولا ذكراً، وتلا كتاب الله وسنة رسوله الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان لا تجد في نقدهم وجرحهم للأفراد والفئات عيناً ولا أثراً لا للموازنات ولا لحمل المجمل على المفصل، وتلاهم أهل الحديث والسنة والفقه، وهم الطائفة المنصورة المشهود لهم بأنهم على الحق إلى أن يأتي أمر الله لا تجد في نقدهم وجرحهم للأفراد والفئات الضالة أي أثر للموازنات لا في كتب العقائد ولا في كتب الجرح والتعديل العام ولا في كتب الجرح الخاص، قام بذلك ربيع ودونه في كتابين هما:

 

كتاب “منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال والكتب والطوائف” .

 

وكتاب “المحجة البيضاء في حماية السنة الغراء من زلات أهل الأخطاء وزيغ أهل الأهواء” .

 

جمعتُ فيها عشرات الأدلة والبراهين ومنها تطبيقات أئمة السنة وأئمة الجرح والتعديل بما يكفي اللبيب الناصح بعضُ بعضِه وأرسلت هذين الكتابين إلى علماء السنة في داخل المملكة العربية السعودية وخارجها فاستقبلوهما بكل تقدير واحترام وأيدوا مضمونهما وصرحوا بهذه التأييدات في إجاباتهم على أسئلة السائلين وعلى رأس هؤلاء “ابن باز والألباني ، والفوزان، وعبد العزيز السلمان ، والنجمي ، ومحمد أمان ” فما كان بعد هذا وذاك إلا أن تراجع المؤلفون والدعاة إلى القول بعدم وجوب الموازنات ، وأعلنوا هذه التراجعات وانطفأت بحمد الله هذه الفتنة على امتداد سنوات وسنوات .

 

ومع أن الإخوان المسلمين أعرضوا عن حمل المجمل على المفصل فقد رفع رايته أحد المتربصين المدسوسين على المنهج السلفي والمرتزقة المتأكلين بدينهم ألا وهو أبو الفتن المصري المأربي فشفى بذلك غيظ ساداته ومستأجريه من أهل البدع والأهواء فرددت على تلفيقاته وشبهاته ومجازفاته التي برع فيها وكانت هذه الفتنة منه بعد موت العلماء الذين كان ينتظر فرصة موتهم هو وزمرته وبعد انتقالهم إلى رحمة الله -كما نرجو الله لهم- وثب هو وزمرته لتحطيم أقوى الأسلحة التي يواجه بها أهل السنة على مر التاريخ أهل الأهواء والضلال.

 

فرددتُ على شبهاته وتلفيقاته في بحث سميته : ” إبطال مزاعم أبي الحسن حول المجمل والمفصل”، يجده القارئ في كتابي (المجموع الحسن لمؤلفات ومقالات الشيخ ربيع المدخلي في رد منهج وأصول المصري أبي الحسن)([7]) ط دار الفلاح من (ص101 ـ 154)، وأنصح أهل السنة وغيرهم بقراءة هذا المجموع الذي دفع بالحق والصدق ضلالات أبي الحسن وأصوله الباطلة.

 

واستدل هذا المحتار بحديثين على مشروعية الموازنات لكل فرق الضلال بما فيهم الروافض والخوارج والصوفية وأهل وحدة الوجود:

 

أولهما : قوله -صلى الله عليه وسلم-: “لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خَلْقًا رَضِىَ آخَرَ” .مسلم (2/091)، وأحمد (2/329)،وغيرهما”. 

 

وهذا النص ليس فيه أي دلالة على منهج الموازنات والرسول -صلى الله عليه وسلم- قال هذا الكلام نهياً للمؤمن عن بغض زوجته المؤمنة، ولم يقله لتشريع الموازنات، ومن قال هذا فإنه يرد عشرات الآيات وعشرات الأحاديث الصحيحة التي فيها الجرح بدون موازنات .

 

وهذه النصيحة في الحديث ليست داخلة في أبواب الجرح والتعديل بل هي من باب الآداب والأخلاق التي ينبغي أن يكون عليها الرجل في عشرته لزوجته ، ولو كان في هذا الحديث دلالة على الموازنات لوجدت الاستدلال به على الموازنات في تراجم رجال الحديث في دواوين السنة ولوجدته في كتب العقائد التي امتلأت بنقد وجرح أهل البدع بدون موازنات .

 

فالاستدلال به على وجوب الموازنات من الترهات ومن أنكر المحدثات وشر الأمور محدثاتها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

وقال صلى الله عليه وسلم موعظته البليغة: “…فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ فَتَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ”([8])، وفي رواية “وكل ضلالة في النار” .

 

فلو كان في هذا النص دلالة خفية أو واضحة على الموازنات لما تأخر عن تطبيقه والاحتجاج به الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون . 

 

ولما تأخر عن الاحتجاج به وتطبيقه الصحابة والتابعون وأئمة الهدى من بعدهم إلى عصرنا هذا .

 

وثانيهما: “الحديث المشهور: لما اقتتلت فارس والروم وانتصرت الفرس ، ففرح بذلك المشركون ؛ لأنهم من جنسهم ليس لهم كتاب، واستبشر بذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لكون النصارى أقرب إليهم ؛ لأن لهم كتابا، وأنزل الله تعالى : {الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيم }.

 

فهؤلاء النصارى الذين فرح المسلمون بنصرهم،هو فرح من وجه واحد يعارضه غضب وبغض منهم من أوجه كثيرة، و أهم من هذا.

 

فهل يلزم من هذا الفرح ترك عداوتهم المتعيّنة أم هذا هو عين الموازنة([9])، فهكذا تفهم المسألة،فعندما تفاضل بين البيهقي و الرازي، و بين الجويني و الأشعري، وبين الأشاعرة و المعتزلة فما هو موجب المفاضلة إلا الحب و البغض”.

 

أقول:

هذه القصة ليس فيها مشروعية الموازنات التي طالب بها مخترعو هذا المنهج وهي أنك إذا انتقدت شخصاً أو جماعة وبينت مساوئه أو مساوئهم نصحاً وتحذيراً للمسلمين من شرهم وضررهم وبدعهم فلا بد أن تذكر محاسن هذا الشخص أو هذه الفئة ، فإن لم تفعل هذا فأنت عندهم ظالم؛ لأنك ذكرت نصف الحقيقة وكتمت النصف الآخر، ولابد من ذكر ما في الكفتين حتى يعتدل الميزان، كما قاله أحد كبار دعاة منهج الموازنات سابقاً.

 

وشيء آخر، وهو أن هذه الحادثة حصلت في العهد المكي، حينما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنون يأملون ويطمعون في أن يقبل النصارى الإسلام ويدخلوا فيه.

 

وحينما كان المهاجرون من المسلمين إلى الحبشة قد آواهم النجاشي وبعض القساوسة واحترموهم، بل أسلم النجاشي وبعض القساوسة، فهذا أطمع المؤمنين في أن يدخل النصارى في الإسلام.

 

ثم لما هاجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وقامت دولة الإسلام، وكاتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الملوك يدعوهم إلى الإسلام، ومنهم كسرى وقيصر، فلم يستجيبا لهذه الدعوة، بل جيّش قيصر جيوشه وحشدهم على حدود الشام لقتال الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين، وأصر النصارى على كفرهم وعنادهم.

 

أنزل الله فيهم آيات كثيرة تبين كفرهم وشركهم بدون موازنات، كقوله تعالى: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ…)، [سورة المائدة:17].

 

وكقوله تعالى: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، [سورة المائدة : 73].

 

وقال تعالى: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)، [سورة التوبة : 29].

 

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، [سورة المائدة : 51].

 

وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في مرض موته: ” لَعْنَةُ اللَّهِ على الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ”([10]). 

 

وعن عائشة أم المؤمنين –رضي الله عنها- أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فيها تَصَاوِيرُ فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: “إِنَّ أُولَئِكَ إذا كان فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا على قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فيه تِلْكَ الصُّوَرَ فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يوم الْقِيَامَةِ”([11]).

 

وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: ” قَاتَلَ الله الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ”، ومن طريق آخر: ” لَعَنَ الله الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ”([12]). 

 

وعن عُبَيْد اللَّهِ بن عبد اللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ وابن عَبَّاسٍ -رضي الله عَنْهُمْ- قالا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله علبيه وسلم- طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً على وَجْهِهِ فإذا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عن وَجْهِهِ فقال وهو كَذَلِكَ: “لَعْنَةُ اللَّهِ على الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ”، يُحَذِّرُ ما صَنَعُوا”([13]).

 

فأين الموازنات في هذه الآيات المحكمات الواضحات، والأحاديث الصحيحة النيرات؟

 

أعتقد أنك تجهلها لاشتغالك عن القرآن والسنة بالسفسطات التي تجرك إلى حضيض الجهل بالبدهيات، في الوقت الذي يخيل لك شيطانك أنك في قمة العلم، وغيرك من أهل السنة والعلم في حضيض الجهل.

 

قال تعالى في أسلافك من الفلاسفة : (فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون)، [سورة غافر : 83].

 

فعلمهم علم فاسد يدفعهم إلى تكذيب الرسل ورد ما عندهم من الآيات الباهرات، وأنا لا أُكفرك، ولكن أُبين أن فيك مشابهة لهم لأنك أخذت نصيباً من حالهم.

 

ثامناً- قال مختار في (ص5): ” والتناقض هو: إثبات صفة لموصوف، ونفيها عنه في نفس الوقت، ومن نفس الجهة، بحيث لا تجتمع هاتان الصفتان معا في الموصوف، ولا ترتفعان عنه معا([14])، فالحب و البغض ليس من هذا النوع، لأنهما يتبعضان، ويتفاضلان”.

 

وساق الحديث: “لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خَلْقًا رَضِىَ آخَرَ”.

 

أقول:

إن هذا الرجل لما كان يجادل بالباطل، ولم يجد الأدلة الواضحة على دعاواه، لجأ إلى حدود وتعريفات المناطقة وأهل الكلام الضالين في دينهم وتعريفاتهم وحدودهم للأشياء.

 

وغطى هذا بحديثين لا دلالة فيهما على إثبات منهج الموازنات بين الحسنات والسيئات لأهل الباطل.

 

وقوله: “فالحب والبغض ليس من هذا النوع، لأنهما يتبعضان، ويتفاضلان”.

 

أما قوله: “يتبعضان”، فلا، وأما قوله: “ويتفاضلان”، فنعم.

 

ومن الأدلة على تفاضل الحب: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ” لاَ يُؤْمِنُ أحدكم حتى أَكُونَ أَحَبَّ إليه من وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ“([15]).

 

فزيادة حب المؤمن لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- على نفسه وولده ووالده تدل على تفاضل الحب وتفاوته، ولا تدل على تبعضه.

 

ولا يقتضي قصور حبه لولده ووالده عن حب الرسول على أنه يحبهم من جهة ويبغضهم من جهة أخرى.

 

وسأل عمرو بن العاص رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ الناس أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قال: عَائِشَةُ، فقلت: من الرِّجَالِ؟، فقال: أَبُوهَا، قلت: ثُمَّ من؟، قال: عُمَرُ بن الْخَطَّابِ، فَعَدَّ رِجَالًا”([16]). 

 

فكونه -صلى الله عليه وسلم- يحب عائشة أكثر من حبه لأبي بكر وسائر الصحابة لا يدل قصور حبهم عن حبها أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحبهم من جهة ويبغضهم من جهة أخرى، وإنما يدل فقط على تفاوت الحب.

 

وكونه يحب أبا بكر وعمر أكثر من سائر الصحابة لا يدل قصور حبه –صلى الله عليه وسلم- لهم عن حب أبي بكر وعمر على أنه يحب بقية الصحابة من جهة ويبغضهم من جهة أخرى.

 

وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ” ولو كنت مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا([17]). 

 

يدل على عظيم حبه لأبي بكر، ولا يقتضي زيادة حب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر، وقصور حبه لعمر وسائر الصحابة على أنه يبغض باقي الصحابة من وجه ويحبهم من وجه.

 

تاسعاً- قال مختار في (ص5): ” أما المبتدع المسلم فقد خلط عملا صالحا بآخر فاسد فكيف نبغضه كله([18]) كما نبغض الكافر، هذا لا يقوله مسلم”.

 

أقول:

إن البغض أيضاً يتفاضل ويتفاوت فبغض من عنده بدع كثيرة وكبيرة أشد من بغض من عنده بدعة واحدة كبيرة أو صغيرة.

 

وبغض الرافضي أشد من بغض الجهمي والمعتزلي.

 

وبغض الجهمي والمعتزلي أشد من بغض القدري.

 

وبغض القدري أشد من بغض المرجئ غير الغالي.

 

وهذا الرجل يريد أن يخالف العقل والفطرة وما يجده الناس في أنفسهم، وأشد من ذلك أنه يخالف السلف الذين لا يوازنون بين حب المبتدع وبغضه ولا بين حسناته وسيئاته على امتداد تأريخهم، فهم ظالمون عنده.

 

قال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني في كتابه “عقيدة السلف أصحاب الحديث” (ص114-115) خلال بيانه لصفات أهل الحديث وآدابهم:

 

“ويقتدون بالسلف الصالحين من أئمة الدين وعلماء المسلمين، ويتمسكون بما كانوا به متمسكين من الدين المتين والحق المبين .

 

ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه ، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين ولا يناظرونهم ، ويَرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضَرَّت وجَرَّت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرَّت ، وفيه أنزل الله عز وجل قوله : ( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) [ سورة الأنعام ، الآية : 68 ]” .

 

وقال الإمام البغوي -رحمه الله- في كتابه “شرح السنة ( 1/224 )بعد أن أورد عدداً من الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية والآثار السلفية في مجانبة أهل الأهواء :

 

” قد أخبر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن افتراق هذه الأمة ، وظهور الأهواء والبدع فيهم ، وحكم بالنجاة لمن اتبع سنته ، وسنة أصحابه رضي الله عنهم ، فعلى المرء المسلم إذا رأى رجلا يتعاطى شيئاً من الأهواء والبدع معتقداً ، أو يتهاون بشيء من السنن أن يهجره ،ويتبرأ منه ، ويتركه حياً وميتاً ، فلا يسلم عليه إذا لقيه ولا يجيبه إذا ابتدأ إلى أن يترك بدعته ، ويُراجِع الحق. 

 

والنهي عن الهجران فوق الثلاث فيما يقع بين الرجلين من التقصير في حقوق الصحبة والعشرة دون ما كان ذلك في حق الدين ، فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة إلى أن يتوبوا”.

 

وقال -رحمه الله- في “شرح السنة” (1/226-227) خلال شرحه لحديث كعب ابن مالك -رضي الله عنه- في تخلف الثلاثة عن غزوة تبوك ومنهم كعب -رضي الله عنه-: 

 

“وفيه دليل على أن هجران أهل البدع على التأبيد ، وكان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- خاف على كعب وأصحابه النفاق حين تخلفوا عن الخروج معه، فأمر بهجرانهم إلى أن أنزل الله توبتهم ، وعرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- براءتهم ، وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم ، وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة ، ومهاجرتهم” .

 

فهذا هو واقع الصحابة والسلف، وهذا إجماعهم على بغض أهل البدع وهجرانهم، فأين هو منهج الموازنات أيها المحاربون لمنهج السلف؟

 

عاشراً- قال مختار في (ص6):

 

” وهنا مسألة أخرى لم ينتبه إليها الشيخ ربيع و أتباعه، وهي مسألة تناقض مواقف أهل العلم مع بعضهم البعض، و أقصد بالتناقض هنا اختلاف أحكامهم في الرجال ومواقفهم منهم.

 

ولذلك تجد أتباع الشيخ ربيع نظرا لهذا المنهج لم يفهموا تعدد مواقف أهل العلم في الرجال، فيعتبرونها تناقضا ،فإذا خالف أحدهم موقف الشيخ الألباني في رجل اعتبروا ذلك تناقضا منه، إذ في عقولهم يلزم إن كان على منهج الألباني أن يوافقه في كل مواقفه من أهل العلم و الدعاة ، وهذا خلط فاحش لا تجده إلا عند أتباع الشيخ ربيع.

 

ومنتدياتهم مملوءة به، و عندما يظفرون بمثال منه تجدهم قد أقاموا الأفراح كأنهم اكتشفوا حديثا نسيه البخاري ـ رحمه الله ـ في مسودة يذم ذاك الرجل!

 

فهم يعتبرون مواقف شيخهم أو غيره من بعض العلماء من ثوابت الشريعة ،ومن المسلمات عند أهل العلم !

 

ومشكل الشيخ ربيع أنه إما محاط بأتباع كسالى في العلم لا يبحثون، ولا يناقشونه فيطور مواقفه و يحسنها، و إما هو ضيق الخاطر لا يتحمل المخالفة.

 

نعم مواقف أهل العلم من بعضهم البعض محترمة، ومفهومة الأسباب و العلل ولكنها قابلة للنقاش، و أكثر من ذلك لا تلزمهم إلا هم و من يقلدهم.

 

و أهل العلم يبنون مواقفهم بناء على علمهم، وليس على علم غيرهم.

 

وعليه،فإن الاجتهاد يكون في الأدلة و القواعد الشرعية ليس في مواقف أهل العلم،وليس شرطا أن يصيب العالم في كل شيء ليكون سنيا،فلا نقابل موقف ابن جبرين بموقف الألباني أو باز([19])ـ رحمهم الله ـ ثم نزعم أننا أقمنا دليلا أو أبطلنا قول المخالف، بل نقابل بين أدلتهم الشرعية، و إلا كنا مستحسنين الاستحسان الباطل”.

 

أقول:هذا الكلام فيه ذم للشيخ ربيع ومن يسميهم أتباعه، وطعن في منهجهم، وكله تمويه وغمغمة.

فكم هي المسائل التي خالف فيها ابن جبرين العلامة ابن باز والعلامة الألباني وغيرهما من العلماء كالشيخ صالح الفوزان والشيخ عبد الله الغديان والشيخ صالح اللحيدان والشيخ أحمد بن يحيى النجمي والشيخ زيد بن محمد هادي، وكل السلفيين في كل مكان؟، الجواب: لم يذكر شيئاً، وهذا من تمويهاته وكتمانه للحق! 

 

وأقول:

من ذلك دفاع ابن جبرين عن جماعة التبليغ وجماعة الإخوان المسلمين المخالفين للكتاب والسنة والمخالفين لعقائد السلف، ودفاعه عن سيد قطب والقطبيين وابن لادن، وطعنه وشدته على السلفيين، كل هذا عند هذا الرجل من اختلاف العلماء الذي يجب أن يُحترم فلا يُفرق بين حقه وباطله.

 

فالذين يؤيدون موقف ابن باز والألباني وغيرهما من أعيان السلف في الدنيا كلها في تضليل هذه الأصناف إنما ينطلقون من الجهل، وليس لديهم أدلة شرعية، ولم يقابلوا بين الأدلة الشرعية بين المختلفين فما هي الأدلة الشرعية لمن يدافع عن هذه الجماعات وضلالاتهم؟

 

الظاهر أن هذا الرجل يرى أن جماعة التبليغ القائمة على أربع طرق صوفية فيها الحلول ووحدة الوجود والشركيات.

 

وجماعة الإخوان المسلمين القائم تنظيمهم على الصوفية المدمرة وعلى الرفض المهلك بل على بعض النصارى.

 

وإلى جانب ذلك يتحالفون مع الاشتراكيين والبعثيين والناصريين، وأحياناً مع الشيوعيين، ويقيمون مؤتمرات لوحدة الأديان.

 

ويقرر زعماؤهم في كتاباتهم وحدة الأديان وأخوة الأديان وحرية الأديان.

 

فالظاهر أن هذا الرجل يرى أن هاتين الجماعتين على حق وسنة، وأن انتقاد السلفيين لهم قائم على الجهل، لا يستغرب هذا ممن يقلد أبا الحسن المأربي، فيصدق عليه وعلى أمثاله قول الشاعر:

 

ومن يكن الغراب له دليلاً يمر به على جيف الكلاب

 

وكذلك لم يذكر المسائل التي اختلف فيها ربيع وإخوانه مع الحلبي وزمرته التي ينصرها في كل باطل، وهم ينصرونه كذلك.

 

فهل التعاون على الإثم والعدوان عند المختار يعد اختلافاً معتبراً من اختلاف علماء السنة المجتهدين، للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد؟

 

وهل من يقول في الصحابة: إنهم غثاء وأصاغر، والأصاغر تحت الأقدام.

 

وهل من يحارب أهل السنة ويكيل لهم الطعون والشتائم في الوقت الذي يعتبر أهل الأهواء الغليظة من أهل السنة، فهل هذا النوع من الناس يعتبر في ميزان الله من العلماء المجتهدين المحترمين؟ وهل هو من أهل الاجتهاد في ميزان السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم كمالك والأوزاعي والثوري والحمادين والشافعي وأحمد والبخاري وعلماء المقادسة وابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب ومدرسته. 

 

هل هذا الصنف في ميزانهم من العلماء ومن أهل السنة؟، وهل ضلالاتهم محترمة في ميزان الله؟

 

إن مخالفات هؤلاء لا تعد من مخالفات العلماء، بل من مخالفات أهل البدع والأهواء، فالبون شاسع جداً بين منهج السلف وبين منهج هؤلاء، والبون شاسع بينهم وبين النبلاء المجتهدين وبين أهل السنة الصادقين من السابقين واللاحقين.

 

سارت مشرقة وسرت مغربا شتان بين مشرق ومغرب 

 

إن هذا المحتار لا يطيق أقوال السلف ولا مواقفهم من أهل البدع، ولا يرضى بأقوالهم العادلة في أهل البدع، ولهذا لا ينقل منها شيئاً، إمعاناً منه في الكتمان والتمويه والتضليل.

 

——————————————————————————–

الحواشي:

[1] – أخرجه البخاري في “أحاديث الأنبياء” حديث (3445)، وأحمد في “مسنده” (1/23).

 

[2] – كذا.

 

[3] – كذا.

 

[4] – “القواعد النورانية” (ص149-152).

 

[5] – أخرجه عبد الرزاق في”مصنفه” حديث (20750)، و أبو داود بنحوه في “سننه”، “كتاب السنة” حديث (4611) بإسناد صحيح.

 

[6] – “الرد على المنطقيين” (ص8).

 

[7] – جمع هذه الردود الأخ الأستاذ أحمد بن يحيى الزهراني في مجلد واحد، جزاه الله خيراً.

 

[8] – أخرجه أحمد (4/126)، وأبو داود حديث (4609)، والترمذي حديث (2676).

 

[9] – عجباً لهذا الرجل حيث يرى حب النصارى من بعض الوجوه بفضل منهج الموازنات.

 

[10] – أخرجه البخاري في “الصلاة” حديث (435، 436)، ومسلم في “المساجد”حديث (531).

 

[11] – متفق عليه، أخرجه البخاري في “الصلاة” حديث (427)، وفي مواضع أخر، ومسلم في “المساجد” حديث (528).

 

[12] – أخرجه البخاري في “الصلاة” حديث (437)، ومسلم في “المساجد” حديث (530)و (531).

 

[13] – أخرجه البخاري في “الصلاة” حديث (435).

 

[14] – في كلامه هذا تخبط، فهو يقول: ” والتناقض هو: إثبات صفة لموصوف، ونفيها عنه في نفس الوقت” ، ثم يقول: بحيث لا تجتمع هاتان الصفتان معا” ، فالصفة أصبحت صفتين ..الخ

 

[15] – أخرجه البخاري في “الإيمان”،حديث (15)، ومسلم في “الإيمان” حديث (44).

 

[16] – أخرجه البخاري في “فضائل الصحابة”، حديث (3662)، ومسلم في “فضائل الصحابة”حديث (2384).

 

[17] – أخرجه البخاري في “مناقب الأنصار” حديث (3904)، ومسلم في “فضائل الصحابة” حديث (2382).

 

[18] – هذا تعبير ركيك، والظاهر أنه يريد: فكيف نبغضه بغضاً كاملاً.

 

[19] – كذا، يقصد العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، فلعل الرجل لا يعرف اسم هذا الإمام. 

الرابط: https://rabee.net/?p=132

thumbnail-4
thumbnail-3
thumbnail-2